
أين وزارة الإعلام من تحقير النساء عبر الشاشات اللبنانية؟
إساءات مارسيل غانم إلى النساء في الشأن العام ليست نمطًا جديدًا
ليست المرة الأولى التي تثير فيها تصريحات مارسيل غانم الجدل لما تنطوي عليها من خطابات كراهية ضد النساء وتنميط ذكوري.
فبعد أن اتهم، في حلقة “صار الوقت” في 24 أيلول/سبتمبر الجاري، النائبة بولا يعقوبيان بالوقوف خلف خبر نشرته “بيروت بوليتيكس”، وردّت عليه الأخيرة عبر “إكس”، سرعان ما تحوّل السجال إلى تجريحٍ شخصي وعبارات مهينة، وتصفية حسابات، بينما لم نرصد أي نقدٍ أو تحليلٍ للمواقف بنفسها، كما يُفترض بإعلامي أن يكون، أو على الأقل الرد على دحض الاتهامات بأسلوبٍ يرتقي بالإعلام لا العكس.
View this post on Instagram
ماذا حصل؟
نقل موقع المدن عن مصادر مواِكبة للسجال، ترجيحها أن الأزمة فجّرها تقرير نشرته منصة “بيروت بوليتيكس” أشار إلى تضارب بالأيدي بين رئيس مجلس إدارة قناة “أم تي في” ميشال غبريال المر وإيلي سعد، خلال عيد ميلاد طبيب التجميل نادر صعب.
من ناحيته اتهم مارسيل غانم في حلقته بولا يعقوبيان بتمويل المنصة التي تعرّف عن نفسها بأنها “تحارب التضليل الإعلاميّ، مناصرة للحقّ والحقيقة، مناهضة للكذب والافتراء”. وبدل أن يبقى النقاش عند صحة الخبر أو مصدره، تطوّر نحو التجريح والعبارات المهينة والتلميحات المسيئة لها كامرأة.
وصف غانم يعقوبيان في الحلقة بـ”بولا أكذوبيان”، لتردّ عليه عبر “إكس” بدورها بعبارات هجومية واتهامات تتعلق بعمله الإعلامي.
كنت آليت على نفسي ألا انجر لمهاترات شخصية لكن فصاحته تخطت الحدود، و من افصح من مأساة غانم عندما يحاضر بالنزاهة.
زجَّال صغير كان تبديله لساعاته وربطات عنقه اقل بكثير من تنقلاته بين لوائح ال payroll التي لم يترك واحدة إلا وتربع على راسها ممثلا لأحط أنواع الزبائنية وأكثرها وضاعة وإساءة للإعلام، لا بل للإعلان الرخيص.
بوق المنظومة يخرج الليلة بوقاحته المعهودة موزعا أكاذيبه وسمومه الإعلانية المدفوعة مسبقا. حتى وصل به الأمر إلى تناول الإعلام المأجور ناسيا انه عرابه ونقيبه بلا منازع او منافس.
لم يعد هذا الشخص يعري غير حقيقته، وصار شتمه المنتحل صفة الإعلام وساما على صدر المشتوم، لان المذمة من امثاله شهادة بالكمال.
خرج نقيب الإعلان السوقي الليلة بوجهه المكشوف، فبدا عبدا لسيدين يسدد لهما فواتيره، فيذود عن رعونة سياسية عند الكبير وشذوذ إعلامي وسلوكي عند الصغير.
لا داعي لتكذيب ما يصدر عن هذا الشخص، كون ما يخرجه فاه من فضلات إعلانية تحمل بالجملة ختم الجودة في النفاق
لكن الواجب يفرض علينا الإشارة إلى أن مأساة الإعلان هذا، سيظل علما وشاهدا على زمن صار فيه مارسيل عارا على الانتهازية، وعلما من أعلام زمن الانحطاط، بل قعره الذي لا قعر تحته.
والإنصاف يفرض الاعتراف بان اسم مارسيل غانم سيخلد في التاريخ كشتيمة موصوفة.
اخيرا أجدني موافقة معه مئة بالمئة على عبارة ان نصرالله ليس المسيح، رغم انها صادرة عن اسخريوطي العصر الحديث.
#مارسيل_غانم #زمن_الانحطاط #لبنان— بولا يعقوبيان (@PaulaYacoubian) September 24, 2026
بدوره، عاد مارسيل إلى مخاطبتها على الهواء، ليهاجمها بأسلوبٍ ذكوريٍّ سبق أن شهدناه في مواقف سابقة له، من دون أي اعتبار لأخلاقيات المهنة. وفي تعمّدٍ واضحٍ للإساءة لشخصها والتلميح ضدها كامرأة، قال “المشكلة إذا قلنا حقيقتك نطلع ذكوريين”، “أنت منحطة ما إلك قيمة”، “إنت أرخص حقك غدا”، لينتقل لمناقشة ملفّ بيئي مع وزيرة البيئة في لبنان تمارا الزين قائلًا “على سيرة النفايات”، بينما تبتسم الأخيرة من دون أن تسجّل أي موقف ضد إهانة امرأة مثلها.
كانت يعقوبيان قد دخلت السجال بلغةٍ حادة أيضًا؛ غير أن ذلك لا يعفي مقدّم برنامج سياسي من مسؤوليته عمّا يختار قوله عبر الشاشة.
كان من الممكن لغانم أن يعرض ما لديه لإثبات صلة يعقوبيان بالمنصة، وأن يسألها عن اتهاماته أو يصحّح الخبر إن تبيّن خطؤه. وكان يمكن انتقاد ردّها هي كذلك. ولكل بدلًا من ذلك، شاهد الجمهور خلافًا انتقل من سؤال قابل للتحقق إلى انتقاصٍ شخصي يفي بالانتقام وتصفية الحسابات الشخصية. وما يجعل الأمر أبعد من مشادة بين طرفين هو أن أحدهما يملك وقت الهواء وإدارة الحوار ومنبرًا يصل منه إلى جمهور واسع.
مارسيل غانم ونمط استصغار النساء في الشأن العام
بكلّ تأكيد المشكلة ليست في حق الإعلامي بالنقد، بل في طريقة ممارسته حين تكون الخصومة مع امرأة. تاريخ مارسيل غانم، بكلّ أسف، حافلٌ بعبارات التحقير والاستصغار والتشكيك بالنساء، بدل مناقشة أدائهن أو مواقفهن.
فالأمر لم يبدأ في حلقة الخميس، بل هو نمط تكرّر في عدّة حلقات بثّت على الهواء خطابات كارهة للنساء. وبولا يعقوبيان ليست أول امرأة ينتقل مارسيل غانم، في الحديث عنها، من مناقشة موقفها إلى التقليل منها شخصيًا.
إذ سبق أن سخر من نساء أخريات عاملات في الشأن العام، وكانت مؤسسات إعلامية قد انتقدت بشكلٍ واسع طريقة تعامله مع النساء العاملات في الشأن العام في حلقاتٍ عدّة.
View this post on Instagram
ففي وقتٍ سابق، تحديدًا في تموز/يوليو 2026، وخلال سجال حول خبر عن احتمال انتقاله إلى قناة أخرى، وصف غانم يعقوبيان بأنها “إحدى رخيصات الزمن الأسود في مجلس النواب”. وردّت عليه حينها باتهامات مضادة. لم تكن العبارة نقدًا لأدائها النيابي أو تفنيدًا للخبر الذي أثار الخلاف؛ كانت وصفًا يحطّ منها شخصيًا. مرّة أخرى، كان قد اختار لتجريح الشخصي بدل المحاججة ومناقشة مضمون الخبر.
وفي حلقة “صار الوقت” بتاريخ 29 كانون الثاني/يناير 2026، سخر ضيفه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع من موقف للنائبة حليمة قعقور، قائلًا: “ما منقدر نلحّق عالكوكب اللي هيّي فيه”. ليضحك الإعلامي ويضيف مشكّكًا باستقلاليتها، وملمّحًا إلى تبعيّتها كامرأة: “منحس بعض قادة الأجهزة الأمنيين السابقين هني لدايرينها”. تعليقٌ تحقيري ضد نائبة، فقط لكونها امرأة، ومن دون تقديم دليل، فقط لأنه “يحس”. من ناحيتها، انتقدت حينها مؤسسة “مهارات” في رصدها للحلقة ضحك غانم، ورأت أن تعليقه مرّر التشكيك الشخصي بدل مناقشة موقف النائبة.
في الحلقة نفسها، مرّر غانم الاستهداف الشخصي من رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع للوزيرة ندى البستاني، ووصفها بـ”الفنكلوزة تبعو”، في توصيفٍ تحقيريٍّ مهين لا علاقة له بالنقد السياسي، في إشارةٍ إلى تبعيّتها السياسية لرئيس حزب التيار الوطني الحر.
وفي واقعة أخرى لافتة تعود إلى عام 2020، سخر مارسيل غانم، في برنامجه، من وزيرات آنذاك؛ إذ وصف منال عبد الصمد بـ”المعترة”، وغادة شريم بـ”بيّاعة ماكياج”، وسخر من زينة عكر قائلًا: “ع أساس عاملة حالها بتفهم”. وقد وثّقت حينها منصات إعلامية تعليقات غانم على الوزيرات الثلاث في إحدى حلقات “صار الوقت”، ما دفع إحداهن، الوزيرة غادة شريم، إلى التذكير بمسارها المهني والأكاديمي، مع تأكيد احترامها لجميع المهن.
أسلوبٌ ذكوريٌّ معتاد لطالما استُخدم لوضع النساء أمام موقفٍ يفرض عليهن تبرير ذواتهن وإثبات كفاءتهن لرجلٍ قرّر تقييمهن انطلاقًا من نوعهن الاجتماعي فقط. فحتّى لو كانت مواقف الوزيرات حينها قابلة للنقد السياسي؛ لكن التعليقات انتقلت من تلك المواقف إلى الاستخفاف بهنّ وبأهليتهنّ.
ومع بولا يعقوبيان أيضًا، شهدت مقابلة في آب/أغسطس 2020 لحظة تناولت احتمال استهدافها جنسيًا. قال لها غانم، “محذّرًا” مما قد يفعله خصومها: “هلّأ بيطلعولك أشرطة جنسية”، لتردّ: “أعضائي التناسلية مش شغلكن”.
بدت جملته تحذيرًا من أسلوبٍ محتمل للتشهير، لكن استحضار جسد المرأة وخصوصيتها الجنسية كأداة تهديد إعلامي، من دون مناسبة أو صلة بالسياق، يكشف عن ذهنيةٍ تستسيغ استخدام خصوصيات النساء في الحياة العامة للتشهير بهن. وقد أعاد ردّها حينها النقاش إلى مكانه الطبيعي؛ فالحياة الجنسية للمرأة ليست مادةً صالحة للطعن في موقفها العام، أيًا يكن الشخص الذي يلوّح باحتمال استخدامها ضدّها.
وهذا ليس كلّ شيء!
ففي 2017، نقل غانم “نكتة” ممجوجة خلال برنامجه السابق “كلام الناس”، قال إنها وصلته من أحد الرؤساء، في أعقاب يوم المرأة العالمي: “خلص نهارك ارجعي عالمطبخ”. لم يبتكر غانم العبارة، لكنه اختار تردادها على الهواء بوصفها نكتة. نقلها ضاحكًا على الهواء، وختم حديثه، بلا أدنى مسؤولية تجاه أخلاقيات وواجبات المهنة في مواجهة العنف الذكوري، بدل الترويج له.
ما بين المساءلة والتحقير.. مسافة احترام المهنة
في سياق السجال الأخير، أدانت منصة المجتمع المدني النسوي في لبنان، في البيان الذي نشرته، استخدام المنابر الإعلامية لاستهداف النساء في الحياة العامة بالإهانة والتجريح والسخرية.
وشدّدت المنصة على أن “نقد النساء ومساءلتهن جزء من النقاش الديمقراطي”، محمّلةً المؤسسات الإعلامية مسؤولية الخطاب الذي تسمح بمروره، ومتوقفةً أيضًا عند صمت الجمهور الحاضر في الاستديو حين تقع الإهانة على الهواء.
ولا تفرض إدانة كلام مارسيل غانم تبنّي مواقف يعقوبيان، ولا تعني إعفاءها من أي سؤال حول علاقتها بمنصة إعلامية إذا وُجدت أدلة تستدعي ذلك. كذلك، لا تمنع مساءلة “بيروت بوليتيكس” عن صحة ما نشرته. المطلوب ببساطة أن يُناقش كل ادعاء على أساس وقائعه، وأن يُطلب التصحيح متى ثبت الخطأ.
هذه، في الأصل، مهمة الإعلامي. أما وصف نائبة بأنها “منحطة”، أو التقليل من قيمة وزيرة، أو الضحك على سخرية تُوجَّه إلى امرأة في موقع عام، فلا يساعد الجمهور على فهم موقف أو كشف حقيقة. بل يرسّخ، مرة بعد مرة، فكرة أن تحقير النساء يمكن أن يمرّ بوصفه جزءًا عاديًا من برنامج سياسي.
والأسئلة التي تتركها حلقة الخميس الماضي لا تتعلّق بمارسيل غانم وحده، بل بالإعلام نفسه، بوصفه السلطة الرابعة والمسؤول أمام الحقيقة والمبادئ الأخلاقية والجمهور في آنٍ واحد، وبوزارة الإعلام التي تتخذ موقف المتفرّجة! فماذا تفعل المؤسسة الإعلامية حين يصبح هذا النوع من الخطاب مادةً تُبثّ على شاشتها؟ وأين وزارة الإعلام من تحقير النساء عبر الشاشات اللبنانية؟