
على هذه الأرض… جنوبيّات يزرعن ما عجزت الحرب عن اقتلاعه
الحرب تبيد مواسم الجنوب
بكلماتٍ يغلّفها الأسى، تروي سعاد حطيط، صاحبة مشتل ورد في بلدة الدوير الجنوبية، لـ”شريكة ولكن” كيف غيّرت الحرب كل تفاصيل حياتها.
الزراعة بالنسبة لسعاد لم تكن يومًا كعملٍ فقط، بل كانت جزءًا من حياتها اليومية ومن هويتها، إلى أن تحوّلت الأرض التي لطالما اعتبرتها بيتها الثاني إلى مكان يصعب الوصول إليه بسبب الظروف الأمنية، ما دفعها إلى التردد قبل كل موسم زراعي في شراء نباتات جديدة للمشتل خوفًا من خسارتها.
سعاد أكدت أن خسارتها للأمان والاستقرار كانت الخسارة الأكبر لها، فرزقها بدأ ينهار أمام عينيها: “الإنتاج والنباتات تضرروا كليًا بسبب عدم الري والاهتمام، وتوقّف جزء من مصدر الدخل”، ما انعكس مباشرةً على دخل العائلة، لأن الزراعة بالنسبة لها مصدر رزق، وعندما تتضرر الأرض سيتضرر معها البيت بفقدانه جزءًا من مدخوله.
تضيف أن الحرب ضاعفت الأعباء الملقاة على عاتقها، فلم تعد مسؤوليتها تقتصر على العمل في الأرض، بل أصبحت مطالبة أيضًا بتأمين احتياجات الأسرة اليومية، ومتابعة شؤون ابنها، وتأمين الطعام والمياه، وإدارة تفاصيل الحياة وسط ظروف قاسية وغير مستقرة.
في الموسم الماضي، تكبّدت سمر خسائر قُدّرت بنحو 8 آلاف دولار بعدما فقدت محصولها بسبب الحرب.
ولا تبدو قصة سعاد استثناءً بين النساء المزارعات في الجنوب اللواتي خسرن جزءًا من مصادر رزقهن، لكنهن واصلن التمسك بالأرض رغم الخسائر. فجارتها سمر كانت تعتمد على الزراعة كمصدر دخلٍ أساسيٍّ للأسرة قبل اندلاع الحرب الأخيرة بثلاثة أشهر. كانت سمر تزرع محاصيل متنوعة، منها الفول والبازلاء والكوسا، وبلغت حينها قيمة إنتاجها السنوي نحو 22 ألف دولار، ما مكّنها من مساندة زوجها في تأمين مصاريف المنزل. لكن الحرب قلبت هذا الواقع رأسًا على عقب.
ففي الموسم الماضي، تكبّدت خسائر قُدّرت بنحو 8 آلاف دولار بعدما فقدت محصولها. وخلال فترة الهدنة المزعومة، حاولت استعادة ما خسرته، فزرعت نحو 45 دونمًا بالبازلاء والبصل والسمسم، إلا أنها اضطرت إلى مغادرة الأرض مجددًا مع اشتداد الحرب. وعندما عادت، وجدت أن قطعان الماشية قد أتلفت المحاصيل بالكامل، لتتكبد خسارة موسم آخر، من دون أن تجني سوى جزء يسير من كلفة الإنتاج.
ورغم الخسائر المتكررة، تؤكد سمر لـ”شريكة ولكن” أنها لا تملك خيارًا سوى الاستمرار في الزراعة، لأن راتب زوجها وحده لا يكفي لتغطية نفقات الأسرة، ولا سيما كلفة الأدوية الشهرية التي تحتاجها العائلة. فاليوم، مع تراجع موسمها، تبيع سمر ما تبقّى من إنتاجها على البسطات وعلى جوانب الطرقات، هربًا من سوق الحسبة، حيث تخشى أن تُستغل وتُشترى محاصيلها بأسعار لا تغطي كلفة زراعتها، ولا تنصف الجهد الذي تبذله في إنتاجها.
الأشجار التي لم تُدمّر بالقصف، ماتت من العطش.
هكذا، لم تنجح الحرب في قطع علاقة سعاد وسمر بالأرض، وإن كانت قد غيّرت شروطها؛ فالزراعة التي كانت مصدرًا للدخل قبل الحرب، أصبحت اليوم بالنسبة إليهما وسيلة للبقاء، وتأمين الأسرة، والتشبث بحياة تحاول الحرب اقتلاعها من جذورها.
ولا تبدو خسائر سعاد وسمر بعيدة عن المشهد الزراعي الشامل في لبنان. فبحسب تقييم أجرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، بالتعاون مع وزارة الزراعة والمجلس الوطني للبحوث العلمية، بلغت الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي خلال فترة الحرب على لبنان بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتشرين الثاني/نوفمبر 2024 نحو 118 مليون دولار، فيما قُدّرت الخسائر بنحو 586 مليون دولار، وكانت محافظة الجنوب من أكثر المحافظات تضررًا.
حين تصبح الأرض ضحية الحرب
تتوالى الخسارات في الحرب، فهي لم تقتصر على مزارِعة خسرت مصدر دخلها، بل على أرضٍ بأجمعها خسرت أشجارها المثمرة وغطاءها النباتي.
يحدّثنا المهندس الزراعي أنطوني خطار، الذي يشرف على مشاريع زراعية لشركة دبانة في المنطقة الحدودية (الخيام-الوزاني-الماري)، عن حجم أضرار هائل طال المزروعات، لا سيما أشجار الأفوكا، الخوخ، المشمش… فالأشجار التي لم تُدمّر بالقصف، ماتت من العطش. وبكل حسرة، يفسر خطار أن الشركة كان لها في هذه المناطق كرمٌ تُقدّر تكلفته بحوالي 700 ألف دولار، رُمّد بالكامل، بطريقة لا تُعوّض، كون أشجار الكرم اختفت أصلًا من الوجود.
المزارع/ة فقد/ت الثقة في القطاع الزراعي في الجنوب اللبناني بسبب غياب الأمان نتيجة الخروقات الإسرائيلية المستمرة.
يرى خطار أن استمرار المزارعين/ات في العمل بعد الخسائر التي تكبدوها/تكبّدنها يبقى صعبًا من دون توفير التمويل أو التعويضات، خصوصًا في ظل غياب مصادر تمويل قادرة على مساعدتهم/ن في إعادة إطلاق مواسمهم/ن. ويوضح أن “المزارع/ة الذي/التي يخسر مئات آلاف الدولارات في أرضه/ا لا يستطيع ببساطة العودة إلى العمل من دون رأس مال جديد. فإذا خسر/ت، على سبيل المثال، 700 ألف دولار، فهو/هي يحتاج إلى تمويل يمكّنه/ا من إعادة تشغيل أرضه/ا واستئناف الإنتاج، على أن يبدأ باستعادة قدرته/ا المالية تدريجيًا من عائدات المواسم المقبلة”.
ويشير خطار إلى أن “المشكلة لا تتعلق فقط بحجم الخسارة، بل بقدرة المزارع/ة على تأمين السيولة اللازمة للعودة إلى الأرض، في وقت لم تعد فيه القروض المصرفية متاحة بالشكل الذي كان قائمًا سابقًا”. لذلك، فإن أي خطة للتعافي الزراعي، برأيه، تحتاج إلى أن تترافق مع دعم مالي فعليّ يتيح للمزارعين/ات استعادة قدرتهم/ن على الإنتاج.
ويشدد المهندس الزراعي على أن المزارع/ة فقد/ت الثقة في القطاع الزراعي في الجنوب اللبناني بسبب غياب الأمان نتيجة الخروقات الإسرائيلية المستمرة.
View this post on Instagram
خسارة طويلة الأمد
تؤكد الخبيرة الاقتصادية، الدكتورة سهى الخنجي، أن “النساء دفعن اقتصاديًا ثمنًا باهظًا للحرب، لا سيما المزارعات اللواتي اضطررن إلى تغيير مكان إقامتهن وترك مواسمهن الزراعية”.
توضح الخبيرة أن الكلفة التي تتحملها النساء المزارعات لا تقتصر على خسارة مصدر الدخل المباشر، بل تمتد إلى آثار قد تظهر على المدى القصير والطويل. فالأرض تحتاج إلى وقت ٍحتى تستعيد قدرتها على الإنتاج، ما يعني أن تضررها اليوم قد ينعكس على إنتاجيتها مستقبلًا أيضًا. أما على المدى القصير، فتتمثل الخسارة الأساسية في فقدان مصدر دخل مهم للأسرة، إلى جانب المخاطر التي قد تطال جودة المحاصيل والأمن الغذائي نتيجة تأثير الأسلحة المستخدمة في الحرب.
ولا تتوقف هذه الآثار عند سطح الأرض، إذ تشير الخبيرة إلى أن “المواد الكيميائية الناتجة عن الحرب تؤثر أيضًا في التربة والمياه الجوفية، بما يضيف كلفة بيئية واقتصادية قد تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء الحرب”.
الأرض التي لا يكفي أن نعيد زراعتها
وإذا كانت الخسارة الاقتصادية تُقاس بما فقده/فقدته المزارع/ة من إنتاج ودخل، فإن الخسارة البيئية تحتاج إلى وقتٍ أطول حتى تظهر كاملة.
ترى الدكتورة نجاة عون صليبا، الباحثة البيئية وأستاذة الكيمياء التحليلية في الجامعة الأميركية في بيروت، والتي كرّست جانبًا من عملها لقضايا العدالة البيئية، أن “الحرب الأخيرة على جنوب لبنان تختلف عن سابقاتها، لأنها لم تقتصر على تدمير المنازل والبنى التحتية، بل امتدت إلى استهداف الأرض نفسها، سطحًا وجوفًا، بما قد يخلّف آثارًا بيئية طويلة الأمد”.
وتوضح أن “تجريف الأراضي والقصف واستخدام الذخائر المختلفة قد يؤدي إلى تلوث التربة بمواد كيميائية قد تستمر آثارها لسنوات، الأمر الذي يهدد عودة النشاط الزراعي، ولا سيما في ظل تدمير شبكات الري والبنية التحتية للمياه”. وتشدد على ضرورة المباشرة فورًا بجمع عيّنات من التربة وإجراء تحاليل مخبرية لتحديد طبيعة الملوّثات وتوثيقها، باعتبار ذلك خطوة أساسية لتقييم المخاطر ووضع خطة علمية لإعادة تأهيل الأراضي.
وتؤكد الدكتورة نجاة النظر دور النساء في قرى الجنوب في كركنٍ أساسيٍّ في الاقتصاد الزراعي، إذ يشاركن في مختلف مراحل الإنتاج، من قطف الزعتر والزوفا والنباتات البرية، إلى زراعة الخضروات والعناية بالمحاصيل والحصاد وتأمين الغذاء للأسر. وترى أن “أي تدهور بيئي يصيب الأرض ينعكس مباشرة على النساء، ليس فقط باعتبارهن مزارعات، بل لأنهن يتحملن أيضًا مسؤولية الأمن الغذائي واستمرار الحياة اليومية داخل الأسرة”.
وترى أن تحقيق تعافٍ عادل ومستدام بعد الحرب يبدأ بخطوات علمية وعملية واضحة. أوّلها إجراء مسحٍ شامل لتربة الجنوب، وجمع العينات وتحليلها لتحديد أنواع الملوثات وحجم انتشارها، لأن أي خطة لإعادة إحياء القطاع الزراعي يجب أن تستند إلى معرفة دقيقة بواقع الأرض.
وتؤكّد أن الاهتمام لا ينبغي أن يقتصر على الأرض وحدها، بل يجب أن يشمل النساء المزارعات اللواتي تحمّلن العبء الأكبر خلال الحرب. لذلك، دعت إلى “حصر أعدادهن وتقييم حجم الأضرار التي لحقت بهن، تمهيدًا لوضع برامج دعم متكاملة تساعدهن على استعادة مصدر رزقهن”. ويمكن أن تشمل هذه البرامج ورش عمل ودورات تدريبية، إضافة إلى الدعم المالي والتقني، بما يساهم في تمكينهن اقتصاديًا وإعادة الحياة إلى القطاع الزراعي والمجتمعات الريفية.
من يعيد النساء إلى الأرض؟
تواصلت “شريكة ولكن” مع وزارة الزراعة للحصول على توضيحات حول حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي في الجنوب، وخطط الوزارة لدعم المزارعين، ولا سيما النساء المزارعات، في مرحلة التعافي. وحتى موعد نشر هذا التحقيق، لم يصل رد من الوزارة، رغم المتابعة المستمرة.
في الجنوب اللبناني، لا تُعتبر الزراعة مصدر رزق بقدر ما يمكن اعتبارها فعل صمود، أقلّه للنسوة اللواتي يرفضن مغادرة أراضيهن رغم الدمار المخيف الذي يحاوطهن في كل حدب وصوب.
فالأرض للجنوبيات هي الأمان، والتخلي عنها خيانة عظمى.
كتابة: سالي جابر