
سعد لمجرّد إلى السجن… والشهرة لا تزال تُستدعى دفاعًا عنه
كيف يقصي الإعلام الناجيات ويبيّض صورة "النجم"؟
قضت محكمة الاستئناف في كريتاي، جنوب شرقي باريس، السبت 26 أيلول/سبتمبر 2026، بسجن المغني المغربي سعد لمجرّد 10 سنوات بعد إدانته باغتصاب لورا ب. في قضية تعود إلى عام 2016. وشدّدت المحكمة بذلك الحكم الصادر بحقه عام 2023، الذي قضى بسجنه 6 سنوات، وأمرت بإيداعه السجن. وأعلن دفاعه عزمه الطعن أمام محكمة النقض، فيما لا يزال لمجرّد ينكر ما نُسب إليه.
بعد سنوات من الشكوى والمحاكمات، صدر حكم ثانٍ في القضية نفسها. ومع ذلك، لا يزال “الفنان” المعتدي يُصوَّر في كثير من المنصات الإعلامية العربية بوصفه “بطلًا” مظلومًا. وتُستدعى عائلته، وتحديدًا زوجته، لرمنسة القضية، فيما يُتعمَّد تهميش الناجية. واقعٌ يعيد طرح السؤال: ما “السرّ” وراء تكذيب امرأة تتحدث عن تعرّضها للاغتصاب حين يكون الرجل الذي تتهمه نجمًا؟ ولماذا يتسارع البعض إلى إيجاد المبررات للمشهور، فيما تُقابل رواية الناجية بالتشكيك؟ ولماذا تُستحضر شهرته أحيانًا، ومحبة جمهوره له أو علاقته بعائلته أحيانًا أخرى، كلما طُرحت مسألة مساءلته؟
من البديهي أن الشهرة لا تجعل أحدًا أقل قدرة على ارتكاب العنف الجنسي؛ بل قد تمنحه غطاءً وتبريرات جاهزة، وقضية سعد لمجرّد مثال واضح على ذلك. ومع هذا، تُقدَّم صورة الفنان وأغانيه ونجاحه كأنها ردّ على روايات الناجيات. في المقابل، تُفحَص أقوالهنّ وتصرفاتهنّ وماضيهنّ بحثًا عن سبب للتشكيك فيها.
سلطةٌ مُحقِّرة للنساء تلقى احتضانًا واسعًا في المجتمعات التي تسيطر عليها الأعراف الأبوية التي تحدثنا عنها مرارًا. فما بالك لو كان الرجل “مشهورًا”؟
كيف بدأت القضية؟
بدأت قضية لورا ب. في تشرين الأول/أكتوبر 2016. كانت في العشرين من عمرها حين التقت سعد لمجرّد في ملهى ليلي بباريس، قبل أن تنتقل معه إلى فندق. وفي شباط/فبراير 2023، أدانته محكمة جنايات باريس باغتصابها والاعتداء عليها، وحكمت عليه بالسجن 6 سنوات. استأنف الحكم، وأُعيدت محاكمته أمام محكمة الاستئناف التي رفعت العقوبة إلى 10 سنوات.
View this post on Instagram
وكان من المقرر عقد محاكمة الاستئناف في حزيران/يونيو 2025، قبل تأجيلها لإجراء تحقيقات إضافية في محاولة لابتزاز لمجرّد، طُلب فيها مبلغ مالي مقابل سحب الشكوى وعدم حضور لورا للإدلاء بشهادتها. وفي نيسان/أبريل 2026، أُدين خمسة أشخاص في هذا الملف، فيما بُرّئت لورا ب. ثم عُقدت جلسات الاستئناف في قضية الاغتصاب خلف أبواب مغلقة.
ولم تكن قضية باريس الوحيدة أمام القضاء الفرنسي. ففي 15 أيار/مايو 2026، حكمت محكمة جنايات إقليم فار على لمجرّد بالسجن 5 سنوات بعد إدانته باغتصاب امرأة أخرى في واقعة تعود إلى عام 2018 قرب سان تروبيه. وقد استأنف هذا الحكم أيضًا. وتتعلق القضيتان بامرأتين مختلفتين وواقعتين منفصلتين.
حين تتقدّم رمنسة “الرجل الذي تعرفه زوجته” على قضية الاغتصاب
لم يُنهِ الحكم محاولات تحويل الأنظار عن المرأة التي خاضت سنوات من التقاضي. ففي تغطيات أعقبت صدوره، تقدّمت صورة لمجرّد “النجم” وألم عائلته على قضية الاغتصاب نفسها.
View this post on Instagram
بعد الحكم، نشرت زوجته غيثة العلاكي رسالة ادّعت فيها براءته. تحدّثت عن طيبته وحنانه وحياتهما معًا، وقالت إنها ستبقى إلى جانبه. ونُقلت رسالتها عن “الرجل الذي تعرفه” كأنّ معرفة الزوجة به داخل البيت يمكن أن تجيب عمّا حدث بينه وبين امرأة أخرى.
نتفهّم رغبة أي امرأة في أن تتحدث عن تجربتها، لكن معرفتها بزوجها داخل البيت لا تحسم ما حدث خارجه مع امرأة أخرى، ولا تلغي تجارب أخريات. ولا يمكن لشهادة زوجة عن شريكها المتهم بعدّة جرائم اغتصاب أن تُبطل رواية لورا ب. أو تمحو حكم المحكمة.
حين تتصدّر قصة حبّ النجم وعائلته العناوين، بينما تُدفع الناجية إلى الهامش مجددًا، مع ما رافق مسار الشكوى والمحاكمة من تشكيكٍ في روايتها وتحميلها الذنب، فهذا شكلٌ جديد من أشكال وضع النساء في مواجهة بعضهنّ، حين يصبّ ذلك في مصلحة الرجال. فكيف لو كان الرجل شخصية “مشهورة”؟
تطلب بعض التغطيات من الجمهور أن يتفهّم ألم “الفنان الشهير” أو “المعلّم”، كما يحاول بعض الإعلام التذكير، وصدمة المقرّبات/ين منه. ولكن ماذا عن الناجيات؟ وتحديدًا المرأة التي صدر الحكم في قضيتها؟ يعيد الإعلام قصتها إلى موضع التشكيك، بدل إبقاء شهادتها وما خلصت إليه المحكمة في صلب الخبر.
كما استخدم لمجرّد، ومعه الإعلام، زوجته غيثة العلاكي لتبييض صورته عبر الترويج إلى أن العائلة تعرّضت لمطالبات مالية مقابل حريته. فقد تحدّثت عن مطالبات مالية قالت إن عائلته تلقّتها، وهو ملف صدر فيه حكم منفصل في نيسان/أبريل 2026 بإدانة خمسة أشخاص وتبرئة لورا ب.
حين يذكر الإعلام “الابتزاز” مع إسقاط براءة الناجية منه، يترك إيحاءً مضلّلًا بأن شكواها كانت وسيلة للحصول على المال، ويعيد التشكيك فيها رغم ما خلص إليه القضاء في الملفين.
لا يتعلّق الأمر بوضع زوجته ولورا في مواجهة بعضهما. المسألة هي ما تختار التغطية أن تضعه في صدر الخبر؛ ألم عائلة الرجل المشهور، أم شهادة المرأة التي صدر الحكم في قضيتها؟ هكذا تطغى الحكاية الأولى، وتُدفع الناجية إلى الهامش مرة أخرى، ليعد السؤال الذي يطرح نفسه إلي الواجهة. كم مرة تُطالَب امرأة بالدفاع عن مصداقيّتها، فيما تكفي “شهرة” الرجل ليجد من يدافع عنه؟