
الاقتصاد الرقمي … فرصة جديدة أم هشاشة من نوع آخر؟
بين الحاجة إلى الدخل والمرونة معًا.. نساء يجرّبن العمل عبر الفضاء الرقمي
مع توسع الاقتصاد الرقمي، تخوض النساء في سوريا تجارب عمل جديدة بحثًا عن دخل أكثر مرونة واستقرارًا. لكن، وبين الوعود التي يحملها هذا النمط من العمل، تبرز أسئلة جوهرية حول الحماية والاستدامة وحدود ما يمكن أن يقدّمه لهن.
حين يصبح البقاء قرب الأبناء أولوية
“وجودي إلى جانب ابني في هذه المرحلة ليس ترفًا، بل ضرورة”. بالنسبة إلى ريم الحسين، لم يكن البحث عن عمل رقمي خيارًا ترفيهيًا، بل استجابة لواقع فرضته مسؤوليتها عن تربية طفلها بمفردها بعد انتقالها إلى بلدٍ جديد. فبعد سنوات عمل في المصارف وشركات التأمين والإدارة، أصبحت بحاجة إلى وظيفة تتيح لها البقاء إلى جانب ابنها دون الانقطاع عن حياتها المهنية.
تقول ريم إن وجودها قرب طفلها كان أولوية، لكنها في الوقت نفسه لم تكن مستعدة للتخلي عن خبرتها المهنية. لذلك بدأت تبحث عن أشكال مختلفة من العمل عبر الإنترنت، ورأت في الاقتصاد الرقمي مساحةً تمنحها مرونة أكبر في تنظيم وقتها بما يتناسب مع مسؤولياتها الأسرية.
إلا أن التجربة، كما تصفها، لم تكن الطريق السريع الذي تروّج له بعض المحتويات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد احتاجت إلى أشهر من التعلم، وفهم أدوات العمل، وبناء حضورها على المنصات الرقمية قبل أن تبدأ بتحقيق أي عائد. وتؤكد أن النجاح في هذا المجال يتطلب وقتًا واستمرارية، ولا يشبه الصورة التي تختزل العمل الرقمي في أرباح سريعة وسهلة.
تكشف تجربة ريم أن المرونة، رغم أهميتها، لا تلغي حجم الجهد المطلوب لبناء مصدر دخل مستقر، بل تنقل النساء إلى شكلٍ جديد من العمل يعتمد بدرجة كبيرة على قدرتهن الفردية على التعلم، وبناء الثقة، ومواكبة التغير المستمر في المنصات الرقمية.
“الأزمة الحقيقية بدأت عندما احتاجت والدتي إلى علاج لم أستطع تحمّل تكلفته”.
View this post on Instagram
البحث عن أمان اقتصادي مختلف
على بعد مئات الكيلومترات، لم تكن تجربة رانيا مختلفة كثيرًا عن ريم، وإن اختلفت ظروفها. فبعد انفصالها وتحملها مسؤولية إعالة ابنتها، تنقلت بين أعمال صغيرة ووظائف تقليدية، لكنها لم تجد فيها الاستقرار المالي الذي كانت تبحث عنه. وتقول إن الأزمة الحقيقية بدأت عندما احتاجت والدتها إلى علاج لم تستطع تحمل تكلفته، لتدرك أن الاعتماد على راتب واحد لا يوفر لها الأمان الاقتصادي.
هذا الإدراك دفعها إلى البحث عن مصدر دخلٍ إضافي، لتتعرف تدريجيًا إلى العمل عبر المنصات الرقمية. لم تكن تمتلك خبرة سابقة، لذلك استغرقت وقتًا في التعلم وفهم طبيعة هذا المجال قبل أن تحقق أول عملية بيع، والتي تصفها بأنها كانت نقطة تحول معنوية أكثر من كونها مكسبًا ماليًا، لأنها أعادت إليها شعورها بالقدرة على بناء مشروعها الخاص.
كما تؤكد رانيا أن التحديات لا تقتصر على اكتساب المهارات الرقمية، بل تمتد إلى النظرة الاجتماعية التي ما تزال تشكك في جدية العمل عبر الإنترنت، رغم تزايد عدد النساء اللواتي يلجأن إليه بحثًا عن دخل أكثر مرونة في ظل التراجع المستمر لفرص العمل التقليدية.
تعكس تجربتا ريم ورانيا تحولًا تشهده كثير من النساء السوريات والعربيات بالعموم؛ فالاقتصاد الرقمي لا يمثل بالنسبة لهن مجرد وسيلة لزيادة الدخل، بل محاولة للتوفيق بين العمل والرعاية والأعباء الأسرية. غير أن هذا التحول يبقى قائمًا على جهود فردية، في ظل غياب منظومة حماية تضمن استقرار هذا النوع من العمل واستدامته.
بين المرونة وغياب الحماية
ترى المحامية الدكتورة آلاء شاهين أن أبرز التحديات تتجلى في “عدم وجود إطار قانوني خاص ينظم هذا النمط المتطور من أنماط العمل على وجه الخصوص، ما يحتّم العطف على القواعد العامة التي وُجدت أساسًا للإحاطة بنمط العمل التقليدي الكلاسيكي المعروف”. وهنا تكمن إشكالية أخرى تتجلى في الخشية من إمكانية استبعاد العاملات/ين بالفضاءات الرقمية من نطاق تطبيق هذه الأحكام العامة أيضًا، ما يحرمهن/م من مزايا الحماية العمالية التقليدية، وهذا يستدعي وجود عقوبات رادعة تحول دون انتهاك حقوق الابتكار سواء في العالم الحقيقي أو الافتراضي.
وتلفت د. آلاء إلى اعتماد منظمة العمل الدولية خلال العام الجاري أول اتفاقية دولية لتنظيم العمالة الرقمية ودمج حقوق عمال المنصات الرقمية ضمن المعايير الدولية للعمل على الصعيد العالمي. أما على الصعيد المحلي، فيما يخص سوريا مثلًا، فما زالت التشريعات الوطنية في جزء كبير منها قاصرة عن مواكبة هذا التحول الهائل في أنماط العمل.
بالمقابل، فإن تصديق الدول على مثل هذه الاتفاقية يُلزمها بتعديل قوانينها الداخلية بما يواكب مستجدات نمو العمل الرقمي.
مؤكدةً أن تطوير البيئة القانونية يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية وطنية للتحول الرقمي، تشمل تنظيم العمل عبر المنصات، وتحديث التشريعات، وتعزيز الاعتراف بالعقود الإلكترونية، إلى جانب تطوير آليات حماية البيانات ومكافحة الاحتيال الإلكتروني، بما يضمن بيئة أكثر عدالة للعاملين والعاملات في الاقتصاد الرقمي، وصولًا حتى لذوي وذوات الإعاقة.
الاقتصاد الرقمي.. هل يكفي وحده؟
يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن “توسع الاقتصاد الرقمي أتاح للنساء، ولا سيما في البيئات المتأثرة بالأزمات، فرصًا جديدة لتوليد الدخل في ظل تراجع سوق العمل التقليدي”. إلا أن هذه الفرص، برأيه، لا تعني بالضرورة تحقيق تمكين اقتصادي مستدام، إذ غالبًا ما ترتبط بغياب العقود الرسمية، والتأمينات الاجتماعية، واستقرار الدخل.
ويشير إلى أن العمل عبر المنصات يمنح النساء مرونة أكبر، لكنه في الوقت نفسه ينقل كثيرًا منهن من هشاشة البطالة إلى هشاشة العمل غير المحمي، حيث تتحمل العاملة وحدها مخاطر تقلب الدخل، وغياب الضمانات، وأعباء الرعاية الأسرية، بينما تبقى المنصات بمنأى عن مسؤوليات أصحاب العمل التقليديين.
ويؤكد أن تحقيق استفادة حقيقية من الاقتصاد الرقمي لا يرتبط فقط بتوسيع فرص الوصول إلى المنصات، وإنما ببناء منظومة حماية اجتماعية وتشريعية تضمن الحقوق الأساسية للعاملين والعاملات، وتنظم العلاقة مع المنصات الرقمية، إلى جانب سياسات تخفف من عبء الرعاية غير مدفوعة الأجر الذي تتحمله النساء بصورة أكبر.
View this post on Instagram
وبذلك، لا تبدو المشكلة في الاقتصاد الرقمي نفسه، بل في غياب السياسات التي تضمن توزيعًا أكثر عدالة للمخاطر والحقوق، بحيث لا تتحول المرونة إلى بديل عن الحماية، ولا يصبح العمل الرقمي خيارًا تفرضه الأزمات أكثر مما تتيحه الفرص.
تكشف تجربتا ريم ورانيا أن الاقتصاد الرقمي فتح أمام كثير من النساء نافذة للعمل في وقت ضاقت فيه الخيارات التقليدية، ومنحهن مساحة أكبر لتنظيم أوقاتهن وتحقيق دخل يساعدهن على مواجهة أعباء الحياة. غير أن التجربتين تكشفان أيضًا أن هذه المرونة لا تكفي وحدها لتحقيق الاستقرار أو الاستقلال الاقتصادي.
فالتمكين لا يُقاس بإمكانية العمل عبر الإنترنت فحسب، وإنما بوجود بيئة تضمن الحقوق، وتحمي العاملات من هشاشة الدخل، وتوفر لهن حماية قانونية واجتماعية تتناسب مع طبيعة هذا النمط الجديد من العمل. ومن دون ذلك، سيظل الاقتصاد الرقمي فرصة واعدة ومساحة تعيد إنتاج كثير من أشكال الهشاشة التي دفعت النساء أصلًا إلى البحث عن بدائل خارج سوق العمل التقليدي في آن معًا.