خيطٌ من منشفة ومرآةٌ مفقودة: كيف تحافظ الأسيرات الفلسطينيات على أنفسهن داخل السجون؟

من الظلم أن تُختزل التغطيات الإعلامية المتعلقة بالأسيرات الفلسطينيات في لحظة الاعتقال فقط، أو في الحديث عن أساليبه وانتهاكاته، وكأن حياة الأسيرة تبدأ وتنتهي عند تلك اللحظة.

فخلف الأبواب المغلقة للمعتقلات ثمّة تفاصيل يومية صغيرة لا يلتفت إليها كثيرات/ون، لكنها تكشف جانبًا آخر من التجربة؛ جانبًا تحاول فيه الأسيرات الحفاظ على ذواتهن وصحتهن وخصوصياتهن في مكان صُمم لسلبهن كل ذلك.

أذكر أنه في ليلة اعتقالي كنت قد أجّلت إزالة شعر شاربي إلى اليوم التالي، لكن “اليوم التالي” جاء وأنا معتقلة. وحين وصلت إلى سجن الدامون، نسيت للحظات كل ما يتعلق بالتحقيق والاعتقال، وأصبح شاغلي الوحيد: كيف سأزيل شعر شاربي؟

كنا ننسل خيوطًا من المناشف لنصنع منها “بُكلات” للشعر.

 

في أول “فورة” جمعتني مع الأسيرات، سألت إن كانت إحداهن تستطيع مساعدتي، وقلت مازحة: “إذا ضليت هيك رح أطلع من هون مشوربة”. ضحكنا طويلًا يومها، ثم استطعت لاحقًا إزالة شعر وجهي باستخدام خيط نسلناه من الفرشة التي كنت أنام عليها.

قد يبدو هذا الموقف طريفًا، لكنه يكشف كيف تتحول أبسط تفاصيل العناية الشخصية داخل السجن إلى تحدٍ يومي. فلا مشط متوفر، ولا أدوات حقيقية للعناية الشخصية. كانت الأسيرات تمررن أصابعهن بين خصلات الشعر لفك عقده، بينما يكون الصابون والشامبو رديئي الجودة إلى حدٍّ كبير.

ولأن الحاجة لا تنتظر، كانت الأسيرات تبتكر بدائلها الخاصة. كنا ننسل خيوطًا من المناشف لنصنع منها “بُكلات” للشعر، ونستخدم الخيوط نفسها لتمييز ملابسنا. هناك، كل شيء يُعاد اختراعه من جديد كي يصبح قابلًا للحياة.

حتى نوى الزيتون لم يكن يُرمى. كانت الأسيرات يصنعن منه أساور وقلائد صغيرة.

ولا يقتصر الأمر على أدوات العناية الشخصية. ففي مقابلة مع الأسيرة المحررة أم عماد البرغوثي، تحدثت عن الكيفية التي كانت تتعامل بها الأسيرات مع النقص المتعمد في احتياجاتهن الأساسية. فحين كانت إدارة السجون توفر ملابس صلاة قصيرة لا تفي بالغرض، كانت الأسيرات تفكك البناطيل القديمة وتعيد خياطتها لتصبح تنانير طويلة تصلح للصلاة.

وفي مقابل هذا الحرمان، كانت الأسيرات تبحثن دائمًا عن مساحة صغيرة للحياة. فكثيرات استقبلن أعياد ميلادهن داخل الزنازين، وحاولن رغم كل شيء أن يصنعن لحظات فرح خاصة بهن. كانت الأسيرة تجمع على مدار أيام ما تحصل عليه من مربى الفراولة أو الطحينية أو قطع الخبز، ثم تحاول تشكيلها بطريقة رمزية لتوزعها على الأسيرات الأخريات وسط أمنيات الحرية وفك القيد.

في المعتقل لا شيء يحدث صدفة؛ كحرمان الأسيرات من احتياجاتهن الأساسية، والتحكم في تفاصيل حيواتهن اليومية.

حتى نوى الزيتون لم يكن يُرمى. كانت الأسيرات يصنعن منه أساور وقلائد صغيرة، في محاولة لخلق شيء جميل داخل مكان صُمم لتجريد الأسيرات من شعورهنّ بالحياة.


هذه التفاصيل لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد محاولات للتسلية أو التكيف مع ظروف السجن، بل تكشف جانبًا من السياسات التي تمارسها إدارة السجون يوميًا. ففي المعتقل لا شيء يحدث صدفة؛ فحرمان الأسيرات من احتياجاتهن الأساسية، والتحكم في تفاصيل حيواتهن اليومية، لا يستهدف الراحة الجسدية فقط، بل يمس الهوية الشخصية والحالة النفسية للأسيرات.

بعد هذه التجربة أدركت كيف يدفعنا الاحتلال للعيش في حالة ترقّبٍ دائمة، وكأن الغد قد لا يكون حرًّا أبدًا. ويبقينا باستمرار في دائرة من التفكير والاستعداد والخوف من المفاجأة القادمة، وهو استنزاف لا يطال الجسد فقط، بل يمتد إلى النفس والذاكرة.

ولعل لحظات الحرية نفسها تكشف حجم ما تتركه هذه التفاصيل من أثر. أتذكر مشهد الأسيرة المحررة ليان ناصر وهي تلقي الحذاء البلاستيكي الذي كانت تفرضه إدارة السجون على الأسيرات. كان حذاءً قاسيًا وواسعًا ومهينًا، فخلعته وانطلقت نحو عائلتها حافية، وكأنها تتخلص من كل ما علق بها من آثار السجن.

وأتذكر أيضًا أنه فور وصولي إلى المنزل بعد الإفراج، كان أول ما فعلته أنني خلعت بيجامة السجن وألقيتها في صوبة الحطب لتحترق. في تلك اللحظة تحديدًا شعرت أنني تحررت فعلًا.

قد تبدو هذه التفاصيل هامشية للوهلة الأولى، لكنها تكشف كيف تحاول الأسيرات الفلسطينيات، في أدق تفاصيل يومهن، الحفاظ على أجسادهن وصحتهن النفسية داخل السجن.

وما لا يرويه الإعلام كثيرًا أن خيطًا من منشفة، وسوارًا من نوى الزيتون، واحتفالًا متواضعًا بعيد ميلاد داخل الزنزانة، لم تكن تفاصيل عابرة؛ بل شكلًا من أشكال الصمود والمقاومة. ممارساتٌ يومية انتزعت بها الأسيرات مساحةً للحياة، وواجهن بها محاولات الاحتلال المستمرة لمحوهنّ.

كتابة: إيناس اخلاوي 

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد