
النساء في الفن الحرفي: ما نرثه، وما نعيد ابتكاره
تبدأ حكاية كل امرأة مع الفن من مكان مختلف. قد تكون ذكرى من الطفولة، أو مهارة تعلّمتها من امرأة أكبر منها، أو شغفًا اكتشفته في مرحلة متأخرة من حياتها. بالنسبة إلى آنيتا يعقوبيان، كان العمل اليدوي مساحة للتجربة واكتشاف الذات، فيما وجدت إيلات قنيزح في الخيوط والأقمشة امتدادًا لشخصيتها وطريقتها في التعبير. أما يارا شزوي، فتنظر إلى المنسوجات بوصفها وسيلة لرواية القصص وقراءة العالم من حولها.
“نولد والنسيج يحيط بنا من كل جانب؛ نجلس عليه، ونلبسه، ويغطينا ويحمينا، وهو حاضر في تفاصيل حياتنا كلها، حتى عندما نودّع الدنيا. لذلك، أرى فيه وسيلة مهمة لسرد القصص”.
– ياسمين دبّوس، حرفيّة ومؤسسة مشاركة لمدرسة “مجال للتصميم”
في بعلبك، تأخذ العلاقة بين النساء والحرفة شكلًا آخر. هناك، تعود حياة الرفاعي إلى طفولتها، حين تعلّقت بالطرق البعلبكي رغم أن عائلتها لم تشجّعها على تعلّمه، فيما تسعى ابنتها ميرفت إلى إبقاء هذه الحرفة حيّة، ونقلها إلى نساء أخريات وتطويرها لتصل إلى أجيال جديدة.
تختلف تجارب هؤلاء النساء، كما تختلف الطرق التي وصلن بها إلى الفن، لكن حكاياتهنّ تلتقي عند ما تمنحه الحرفة للمرأة من مساحة للتعبير وصناعة المعنى. إنها علاقة بالذاكرة، وبالمعرفة التي تنتقل بين الأجيال، وبالقدرة على تحويل ما ورثناه أو تعلّمناه إلى شيء يحمل بصمتنا الخاصة.
من خلال هذه الحكايات، نتتبّع ما تحتفظ به النساء من تجارب سابقة، وما يخترن تغييره أو ابتكاره، وكيف يمكن للحرفة أن تبقى حيّة من دون أن تظلّ أسيرة الماضي.
آنيتا يعقوبيان الفن خارج المعتاد
من سوريا إلى لبنان، حملت أنيتا يعقوبيان جذورها الأرمنية وشغفها بالفن، واحتفظت في داخلها بمساحة خاصة للإبداع.
منذ طفولتها، انجذبت آنيتا يعقوبيان إلى الفنون والأعمال اليدوية. وخلال إقامتها في لبنان، وجدت في الدورات الفنية فرصة لتوسيع تجربتها. تعرّفت إلى النحت والفسيفساء، وغيرها من التقنيات التي منحتها أكثر من وسيلة للتعبير. كانت تبحث عن مساحة تخصّها، تستطيع فيها أن تجرّب وتتعلم وتستعيد علاقتها بنفسها بعيدًا عن إيقاع الحياة ومتطلباتها.
“حين نعمل بأيدينا، نمنح أفكارنا مساحة لتتنفّس، ونكتشف في داخلنا عوالم لم نكن نعرفها”.
ثم قادها بحثها عبر إنستغرام وpinterest إلى مدرسة متخصصة في التصميم، فالتحقت ببرنامج لتصميم المنسوجات. هناك، بدأت تجربتها تأخذ منحى جديدًا، وتحوّل الشغف الذي لازمها لسنوات إلى ممارسة أكثر وضوحًا. ومن خلال مشاركتها في The Path She” Chose” “المسار الذي اختارته” وجدت فرصة لتعرض ما تصنعه، ولتلتقي بنساء جمعتهن خلفيات مختلفة، لكنهن التقين عند نقطة واحدة: الرغبة في منح إبداعهن مكانًا في العالم.
“هذه التجربة أعطتنا الفرصة لنُظهر ما نحمله في داخلنا فعلًا. وكان وجود أشخاص يؤمنون بنا ويشجعوننا على الخروج من دائرتنا المعتادة، وتقديم شيء أكبر، أمرًا مهمًا”.
كانت جدّتها تمارس الكروشيه، لكن آنيتا تعلّمت الحياكة بنفسها، مستعينة بالدروس المتاحة عبر الإنترنت، قبل جائحة كورونا. ثم اتّسعت تجربتها لتشمل الكروشيه والنسيج، وصارت تنظر إلى العمل اليدوي بوصفه علاقة متواصلة بين الفكرة وتنفيذها.
وتقول آنيتا: “بين الرأس واليد صلة لا يمكن وصف مدى أهميتها، حين نعمل بأيدينا، نمنح أفكارنا مساحة لتتنفّس، ونكتشف في داخلنا عوالم لم نكن نعرفها”.
ويمتد هذا المعنى إلى حياتها العائلية أيضًا. فهي تلاحظ كيف تتفاعل ابنتها مع الملابس من خلال تزيينها بالخرز، وكيف يمكن لتفصيل صغير أن يحوّل قطعة عادية إلى عمل يحمل أثر صاحبه. بالنسبة إليها، لا تكمن قيمة الحرفة في النتيجة وحدها، بل في الوقت والانتباه والعلاقة الشخصية التي تتكوّن خلال إنجازها.
وفي زمن تتسارع فيه التكنولوجيا وتزداد فيه وتيرة الحياة، ترى أنيتا في الحرف اليدوية قيمة تتجاوز الحنين إلى الماضي. هي حماية للمساحة التي يتيحها العمل اليدوي للإنسان كي يتأنّى، ويختبر المادة، ويصنع شيئًا لا يكتفي بمشاهدته على شاشة. فالحرفة، في نظرها، ممارسة للإبداع ووسيلة لاستعادة التوازن، وربما أيضًا طريقة للتواصل مع الجذور ومعرفة ما تركته الأجيال السابقة.
وحين تُسأل عمّا تريد أن تقوله من خلال فنها، تعود إلى فكرة بسيطة:
“أحب أن أصنع شيئًا جميلًا ومبدعًا، من دون قيود. أريد أن أستلهم من الأشياء التي تحيط بنا، وأن أترك للفن مساحة كي يأخذني إلى ما هو أبعد مما أعرفه عن نفسي”.
إيلات قنيزح: العمل اليدوي بوصفه صورة للذات
لا تقف إيلات قنيزح، الفنانة التشكيلية اللبنانية البالغة من العمر ٣٦ عامًا، عند حدود اللوحة، ولا تتعامل مع القماش بوصفه مساحة مغلقة تنتهي عند حوافها.
“كلما ازدادت التكنولوجيا، عاد العالم في النهاية إلى العمل اليدوي، وإلى شيء حقيقي”.
بدأت علاقتها بالرسم في طفولتها، لكن إدراكها أن الفن يمكن أن يكون أكثر من هواية جاء في التاسعة عشرة من عمرها تقريبًا. منذ ذلك الحين، وعلى امتداد سبعة عشر عامًا، لم تتوقف عن التجربة والتغيير. كل مرحلة تفتح أمامها أسئلة جديدة، وكل إجابة تبدو مؤقتة، إلى أن تشعر بأن عليها أن تتجاوزها وتبحث عن لغة أخرى.
View this post on Instagram
ترى إيلات في هذا التبدّل جزءًا أساسيًا من تكوّنها. فالفن، بالنسبة إليها، ممارسة تتغير بتغيّر الشخصية ونظرتها إلى العالم.
“كل فترة أشعر أن مرحلة انتهت، وأن هناك شيئًا جديدًا عليّ أن أتعلمه أو أغيّره أو أعمل عليه. هذه رحلة لا تنتهي، كلما تغيّرت شخصيتي، تطوّر فني. ما كنت أرسمه في السابق قد لا أستطيع رسمه اليوم، لأنني لم أعد أشعر به بالطريقة نفسها”.
درست إيلات التصميم الغرافيكي، لكنها لم تجد في العمل على الكمبيوتر المساحة التي تبحث عنها. شعرت بأن العمل خلف الشاشة يقيّدها، فيما كانت تحتاج إلى الاحتكاك المباشر بالمواد، وإلى أن تكون يداها جزءًا من عملية التفكير والإنتاج. لذلك، اتجهت إلى العمل اليدوي، مستعيدة مهارات تعلّمتها منذ الصغر، من الحياكة والكروشيه إلى التطريز.
“كنت أجرّب: ألصق هذه بتلك، وأضع هذه فوق تلك، وأخيط قطعة بأخرى. ومع الوقت، بدأت أجمع كل ما أحبّه في عمل واحد. ما أصنعه هو انعكاس لشخصيتي، وكأن كل قطعة هي صورة ذاتية لي، من أول لوحة أتذكرها في السادسة من عمري، وصولًا إلى ما سأصنعه في المستقبل”.
أما عن مستقبل الفن اليدوي في زمن تتسارع فيه أدوات الإنتاج الرقمي، بما فيها الذكاء الاصطناعي، تقول: “كلما ازدادت التكنولوجيا، عاد العالم في النهاية إلى العمل اليدوي، وإلى شيء حقيقي”.
لكن هذه العودة، في نظر إيلات، لا تتحقق بمجرد الحديث عن أهمية الحرفة أو الاحتفاء بها في المعارض. إنها تبدأ أيضًا من التربية، ومن إتاحة الفرصة للأطفال كي يقتربوا من الفن بأنفسهم، بدل أن يبقى بالنسبة إليهم شيئًا بعيدًا يشاهدونه عبر الشاشة.
“عندما كنت أذهب إلى المعارض، كنت آخذ أطفالي معي. اليوم، تعرف ابنتي أن أمها ترسم، ويعرف ابني أن لديه مساحة في الاستوديو فيها ألوان ويمكنه أن يرسم. أريد أن يدخل الجيل الجديد إلى هذا العالم منذ الصغر، وأن يتفاعل معه بنفسه، حتى لو كان صغيرًا. قد يعبثون بالأشياء في البداية، لكنهم يتعلمن/ون ويكتشفن/ون، ويبقى هذا الأثر معهن/م عندما يكبرن/ون”.
يارا شزوي: المنسوجات مساحة لرواية الحكايات
لم تصل يارا شزوي إلى تصميم المنسوجات عبر طريق مرسوم سلفًا. درست علم النفس، ثم تابعت دراساتها العليا في دراسات النوع الاجتماعي، واتجهت إلى البحث الأكاديمي متعدد التخصصات، قبل أن يقودها مسار عفوي إلى عالم المنسوجات. “لا أعرف تمامًا كيف حدث الأمر. بدأت بدورة في تجهيزات الأثاث، ثم انتقلت إلى تصميم المنسوجات. صادفت دورة عبر إنستغرام، وفي النهاية وجدت نفسي أتابع برنامجًا متخصصًا في هذا المجال”.
يعيدها هذا المسار إلى ذكرى من طفولتها، حين كانت تنتظر والدتها في مكتبة المدرسة، حيث كانت تعمل امرأة ترتدي ملابس تقليدية ذات ألوان جميلة، اسمها نرجس. اقتربت منّي حينها وأعطني ورقة وألوان لأرسم. “عندما أفكر اليوم في علاقتي بالمنسوجات والفن، أعود إلى تلك الذكرى”، تقول يارا. وتتابع: “لقد منحتني نرجس شيئًا يتجاوز الحرفة نفسها. نقلت إليّ معرفة فنية، وشاركتني شيئًا حميمًا من تجربتها. لم تكن الحدود القومية أو الفوارق الاجتماعية والاقتصادية التي نضعها بيننا حاضرة في تلك اللحظة. كانت هناك امرأة تعلّم طفلة شيئًا تحبه”.
تعيش يارا في منطقة الشوف، وتصف نمط حياتها بالريفي، حيث لا تحتل التكنولوجيا موقعًا مركزيًا في يومياتها. لذلك، لا ترى في عملها بالمنسوجات موقفًا مضادًا للتكنولوجيا، وإنما وسيلة أقرب إلى تجربتها الشخصية في التعبير. “أستخدم المنسوجات وأغيّر أشكالها وأساليب معالجتها لأعبّر عن نفسي أو لأروي القصص. أحيانًا أستلهم من التراث الثقافي، وأحيانًا من التراث الطبيعي. لا أشعر أن الذكاء الاصطناعي هو الوسيلة التي أحتاج إليها للتعبير عن هذه التجارب؛ فالعمل بالمنسوجات يمنحني طريقة مختلفة للتعامل معها”.
وترى أن العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا محكومة بالبحث المستمر عن التوازن، وأن التقدّم التكنولوجي قد يعيد الاهتمام بالحرف والعمل اليدوي. “أعتقد أن الإنسان ينتقل دائمًا من طرف إلى آخر، ويظل يبحث عن التوازن. إذا وصلنا إلى مرحلة متقدمة جدًا من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فقد تظهر حركة مضادة تعيد الاهتمام بالمنسوجات والحرف والأشياء المصنوعة يدويًا. هناك مساحة للجميع”.
ولا تفصل يارا الحرفة عن الذاكرة والتاريخ، لكنها لا تحصر مسؤولية حفظ التراث في النساء، ولا ترى نقل المعرفة الثقافية دورًا مرتبطًا بجنس بعينه. فالتاريخ، في نظرها، لا يقتصر على النصوص المكتوبة وروايات من امتلكوا سلطة تدوينه، وإنما يمكن قراءته أيضًا من خلال الأشياء التي خلّفها الناس، من بيوتهم وملابسهم إلى المواد والأدوات التي استخدموها في حياتهم اليومية. “كل شخص يعمل اليوم في حرفة أو في مجال إبداعي يساهم، بطريقة ما، في صناعة التاريخ”.
حياة الرفاعي: حرفة تحمل ذاكرة بعلبك
منذ الثامنة من عمرها، تعلّقت حياة الرفاعي المرأة السبعينية اليوم، بالإبرة والخيط، وكانت تراقب النساء وهنّ ينسجن النقوش على القماش، مفتونةً بتفاصيل هذا الفن ودقّته. لم تشجّعها عائلتها على تعلّم الطرق البعلبكي، إذ كانت تنظر إليه باعتباره “كار الفقراء”، لكنها لم تتخلَّ عن شغفها. تعلّمت بالمراقبة والتجربة، وكانت تخفي محاولاتها الأولى، إلى أن أتقنت الغرز والنقوش التي استهوتها منذ طفولتها.
تحمل حياة في ذاكرتها صورة بعلبك القديمة، حين كانت النساء يجتمعن في البيوت العربية الواسعة، وتحضر كلّ واحدة منهنّ قطعتها لتعمل عليها. كانت اللقاءات مساحة تتشارك فيه النساء المهارات والخبرات، وتنتقل فيه الحرفة من يد إلى أخرى. وتستعيد تلك الأيام قائلة: “كانت الحرفة تجمع النساء، وكان العمل جزءًا من تفاصيل حياتهنّ اليومية”.
ومع مرور السنوات، لم يعد الطرق البعلبكي بالنسبة إلى حياة مجرّد فنّ أحبّته في طفولتها، بل صار جزءًا من هويتها وارتباطها بمدينتها. ترى في النقوش ما يشبه حجارة بعلبك وتفاصيل قلعتها، وتروي كيف لاحظ ابنها المهندس هذا التشابه حين تأمّل رسومات القلعة. تقول: “أشعر بأنّ ما نعمله بأيدينا يحمل أثر المدينة وتاريخها”.
View this post on Instagram
ولأنها تعرف قيمة ما تعلّمته، حرصت حياة على ألّا تحتفظ بالحرفة لنفسها. علّمت بناتها وابنة أختها، وسعت إلى نقل خبرتها إلى نساء أخريات، إيمانًا منها بأنّ هذا الفن لا يبقى حيًّا إلا إذا واصلت الأيدي تعلّمه وممارسته. وبعد أكثر من عشرين عامًا من العمل للحفاظ على الطرق البعلبكي، لا تزال أمنيتها أن يستمرّ هذا الإرث في بعلبك، وأن تتعرّف إليه أجيال جديدة. وتقول: “نحن نحافظ على تراث بعلبك. أتمنّى أن يدرك الناس قيمة ما نفعله، وأن يساعدونا على الاستمرار”.
بالنسبة إلى حياة، كلّ غرزة تحمل شيئًا من الصبر والذاكرة، وكلّ قطعة تنجزها تصل حاضرها بطفولتها وبالنساء اللواتي تعلّمت منهنّ. وهي لا تريد لهذا الفن أن يبقى مجرّد حكاية عن الماضي، بل أن يظلّ حاضرًا في أيدي النساء، ينتقل من جيل إلى آخر كما انتقل إليها ذات يوم.
ميرفت الرفاعي : كي لا تنتهي الحكاية في بعلبك
كبرت ميرفت، ابنة حياة الرفاعي، إلى جانب حرفة الطرق البعلبكي. رافقت والدتها في التدريبات وساعدتها في توثيقها، قبل أن تتعلّم الحرفة بنفسها. وعلى مدى نحو خمسة وعشرين عامًا، بقيت قريبة من هذا الفن، إلى أن قررت إطلاق إنتاجها الخاص.
تقول ميرفت: “شعرت بأن هذه الحرفة مهدّدة بالاندثار، لأن والدتي تعبت ولم تعد قادرة على تعليمها أو إنتاج القطع بالقدر السابق. لم أرد لهذا الإرث أن يضيع من بعلبك”.
من هنا، بدأت ميرفت بتنظيم تدريبات ومشاريع تتيح لنساء من بعلبك تعلّم الحرفة وممارستها من منازلهنّ. وقد درّبت نحو ثلاثين امرأة، بدأن بتنفيذ قطع صغيرة، مثل الحقائب والإكسسوارات. كما اتجهت إلى تطوير منتجات تناسب الجيل الأصغر سنًا، وتعرّفه إلى التراث من خلال تصاميم واستخدامات أقرب إلى حياته اليومية.
وتوسّع هذا المسار من خلال التعاون مع “مجال للتصميم”، بعدما أجرى طلاب/طالبات بحثًا عن الطرق البعلبكي، وزاروا/زرن الحرفيات وتعرّفوا/ن إلى أساليب عملهنّ، ثم شاركوا/ن في تدريب استمرّ نحو عشرة أيام. وتقول ميرفت “خلال التدريب كنت أسمع النساء بخبرن عن مدى صعوبة هذه الحرفة، وكم تحتاج إلى الصبر والجهد. وهذا جعلني أشعر بالفخر بأمي، وبالصبر الذي امتلكته لتعلّمها”.
ولا يتوقف طموح ميرفت عند التدريب وتوضح: “أحلم بأن تكون لدينا أكاديمية في بعلبك، نعلّم فيها هذه الحرفة لكل من يرغب في تعلّمها، ونساهم في إحياء هذا التراث”.
لكن استمرار الحرفة يحتاج أيضًا إلى منافذ تتيح للنساء عرض منتجاتهنّ وبيعها. فمنذ عام 2019، تراجعت فرص المشاركة في المعارض، رغم تعاون والدتها سابقًا مع “البيت المحترف اللبناني” ومشاركتها في معارض وأسواق في بيروت. وترى ميرفت أن الوصول إلى الأسواق ضروري لاستمرار العمل، إذ يمنح النساء فرصة للاستفادة من المهارات التي تعلّمنها ومواصلة الإنتاج.
بالنسبة إلى ميرفت، إن إحياء التراث يحتاج إلى نقل الحرفة من جيل إلى آخر، وإيجاد فرص تتيح للنساء ممارستها وتطويرها. وهي تسعى إلى مواصلة ما بدأته والدتها، كي تبقى الطرق البعلبكي حرفة حيّة في بعلبك.
“ما نراه اليوم هو امتداد لما صنعته جداتنا، لكنه يتطور مع الوقت. تبدأ الحرفة من التراث، ثم تتسع لتعبّر عن أشخاص وتجارب مختلفة”.
لم تكن النساء وحدهنّ، ولم يجتمعن صدفة؛ فقد كانت ياسمين دبوس، المؤسسة المشاركة لمدرسة “مجال للتصميم”، هي التي جمعت النساء وقصصهنّ، وعملت على توثيق تجاربهنّ ومعرفتهنّ بفن الطرق البعلبكي، لتُحفظ شهاداتهنّ وتبقى جزءًا من ذاكرة هذه الحرفة. وفي حديثها، تشرح دبوس أهمية هذا التوثيق ودوره في نقل حكايات النساء إلى جمهور أوسع.
ياسمين دبوس: إعادة وصل الحرفة بالتصميم المعاصر
تربط ياسمين دبوس، المؤسسة المشاركة لمدرسة “مجال للتصميم”، بين النسيج والحياة اليومية، وترى أن علاقتهما تبدأ منذ الولادة. وتوضح: “نحن نولد والنسيج يحيط بنا من كل جانب؛ نجلس عليه، ونلبسه، ويغطينا ويحمينا، وهو حاضر في تفاصيل حياتنا كلها، حتى عندما نودّع الدنيا. لذلك، أرى فيه وسيلة مهمة لسرد القصص”.
وتشير إلى أن العلاقة بين الفن والحرفة اليدوية هي أحد المحاور الأساسية التي تجمع النساء، وتقول: “هناك ثلاثة روابط أساسية. أولها أن المشاركات كلهن نساء، وهنّ يقدّمن نماذج لما تستطيع النساء إنجازه. والثاني هو النسيج الذي يرافقنا طوال حياتنا. أما الثالث، فهو العلاقة بين الفن والحرفة. فالطرق البعلبكي بدأ حرفةً يدوية، ولم يُصنَّف دائمًا ضمن الفنون، لكنني أؤمن بأن الفن حرفة، والحرفة فن”.
وتكمل: “ما نراه اليوم هو امتداد لما صنعته جداتنا، لكنه يتطور مع الوقت. تبدأ الحرفة من التراث، ثم تتسع لتعبّر عن أشخاص وتجارب مختلفة”.
“نحن بحاجة إلى هذا النوع من الفن، سواء من خلال ممارسته أو مشاهدته. فاللمس أساسي في حياتنا، ونحن نستكشف العالم من خلاله. لا يمكن أن تمرّ حياتنا كلها عبر الشاشات من دون أن نفتقد هذه العلاقة”.
أما في عملها مع الحرفيات في بعلبك تشرح: “نحن نحاول وصل المصممين في بيروت بالمجتمع الحرفي في بعلبك، والعمل معًا على استخدام الطرق البعلبكي بطرق مختلفة وفي منتجات متنوعة. ليس من الضروري أن تكون القطعة مطرزة بالكامل؛ يمكن أن نجد تطبيقات أخرى تناسب السوق وتتيح للحرفة أن تستمر”.
“بالنسبة إليّ، المهم أن يصبح التصميم والفن والحرفة مصدرًا للعيش بكرامة واستقلالية واستدامة. نحتاج إلى تطوير الحس الفني، وإلى تعلم التسويق والقدرة على بيع المنتجات، حتى تستطيع النساء أن يعشن مما يحببن القيام به”.