
عقوبة الاغتصاب في جامعة “كورنيل” المتواطئة في الإبادة الجماعية
"مقال عن الاعتداء الجنسي"
مقال عن الاعتداء الجنسي! عُوقبوا بكتابة مقالات! هذه هي التفصيلة التي لا أستطيع تجاوزها.
في أكتوبر/تشرين الأول 2024، قالت طالبة في جامعة كورنيل إنها خُدّرت وتعرّضت لاغتصاب جماعي على يد سبعة رجال داخل مسكن الطلبة المعروف بـ”أخوية كاي فاي” أو (Chi Phi).
ولمن لا يعرف ما يُسمّونه في الجامعات الأميركية بـ”الحياة اليونانية”، فإن الأخويّات، وهي تنظيمات طلابية مخصّصة للرجال، والجمعيات النسائية، وهي تنظيمات مشابهة مخصّصة للنساء، تشكّلان منظومة اجتماعية شديدة النفوذ، وغالبًا ما تكون شديدة الإقصاء. توفّر هذه التنظيمات لأعضائها شعورًا بالانتماء والمكانة، وشبكات علاقات قد ترافقهم/ن حتى بعد التخرّج وطوال حيواتهم/ن. لكنها ارتبطت أيضًا مرارًا بالنخبوية، وبطقوس الإذلال أو الإيذاء المفروضة على المنضمين الجدد، وبثقافات قد تهيّئ بيئةً خصبة لوقوع الانتهاكات.
شيءٌ ما يشبه “القصاص” في سياقنا التربوي! نعم، مقالات عن الاعتداء الجنسي يكتبها الرجال الذين ارتكبوه.
تصف الدعوى التي رفعتها الطالبة رجالًا يدخلون ويخرجون من الغرفة التي تقول إنها تعرّضت فيها للاعتداء. وتتضمّن لقطة شاشة من مجموعة للأخوية على “سناب شات”، أعلن فيها أحد المتهمين أن في الطابق العلوي “فرجًا مجانيًا”.
قصاص الاغتصاب: كتابة مقالات!
أبلغت الناجية شرطة جامعة كورنيل بما حدث.
وفي مكان ما، ورغم وقوع جريمةٍ بهذه الفداحة، وجدت الجامعة متّسعًا لعقوبة “كتابة المقالات” كاستجابةٍ لهذا القدر من العنف والإذلال والخطورة!
شيءٌ ما يشبه “القصاص” في سياقنا التربوي!
نعم، مقالات عن الاعتداء الجنسي يكتبها الرجال الذين ارتكبوه.
فلنتفكّر في معنى كتابة “مقال” داخل الجامعة. واجبٌ دراسي، تكليف، أو تمرين على التأمل. شيء تكتبه لتثبت أنك فكّرت في تجربة ما، وأنك ربما تعلّمت منها شيئًا. تأمّلوا/ن حجم الكرم الممنوح للرجال في هذه المعادلة: امرأة تقول إن جسدها عومل كملكية ومشاع، ومع ذلك يبقى لدى المؤسسة متّسع للانشغال بما إذا كان الرجال الذين اتهمتهم قد فكّروا بما يكفي فيما فعلوا، وراجعوا سلوكهم، وما إذا كانوا قد تعلّموا منه.
هذه واحدة من أقدم حيل النظام الأبوي وأكثرها رسوخًا.
دمار امرأةٍ ما يتحول إلى مجرّد “غلطة” ارتكبها رجل، “غلطةٌ” تستلزم المراجعة والتفكّر ليس إلا. أما صدمتها فدائمة، تلازم يومياتها ومشاعرها، بينما مستقبله يظلّ “الأثمن” في المعادلة.
هي مطالبة بأن تشرح ما حدث لها، وهو يُمنح فرصة ليشرح ما تعلّمه مما ارتكبه بحقها. وهنا نتعلّم عن “هم” لا “هو”، مجموعةٌ، أو بالأحرى عصابة، من المغتصبين داخل حرم بيت طلبة.
ماذا فعلت الجامعة حيال ما أبلغتهم به الناجية، وماذا تعمّدت الامتناع عن فعله؟
على مدى ما يقارب عامين، لم تُوجَّه أي اتهامات جنائية إلى أيٍّ من المشتبه بهم. وبقيت القضية، إلى حدّ كبير، في عهدة شرطة جامعة كورنيل والنظام التأديبي الداخلي فيها، فيما أقرّ المدعي العام لمقاطعة تومبكينز بأن مكتبه لم يُجرِ تحقيقًا مستقلًا في القضية.
ولم يُعَد فتح التحقيق الجنائي إلا بعد أن رفعت الناجية دعوى مدنية في أيلول/سبتمبر 2026، وما أعقب ذلك من تدقيق وضغط علني.
والأكثر إدانةً أن تفريغًا منشورًا لإفادة الناجية يُظهر أنها قالت لشرطة كورنيل عام 2024 إنها “واثقة بنسبة 100%” من أنها تعرّضت للاغتصاب؛ وهي معلومة يقول المدعي العام إنه لم يطّلع عليها قط.
واليوم، بعد نحو عامين من التقاعس المؤسسي الممنهج، باتت المؤسسات التي أُوكلت إليها مسؤولية التعامل مع القضية مضطرةً إلى الإجابة عن سؤال: ماذا فعلت حيال ما أبلغتهم به الناجية، وماذا تعمّدت الامتناع عن فعله؟
في الجامعة ذاتها، سبق أن رُفض مطلبًا طلابيًّا بأغلبية 70% لسحب استثماراتها من شركات مصنّعة للأسلحة تساهم في تسهيل الإبادة الجماعية الصهيونية في غزّة، واعتُقل 22 طالبًا/ة!
ما تكشفه استثمارات كورنيل
ربما كان من الأسهل اختزال ما حدث في فشل جامعة واحدة، لولا أن كورنيل كانت قد كشفت لنا مسبقًا عن حدود اكتراثها بالأجساد والأرواح البشرية. فقبل الاعتداء بأشهر، طالب طلاب كورنيل الجامعة بسحب استثماراتها من عشر شركات مصنّعة للأسلحة تساهم بصورةٍ فاعلة في تسهيل الإبادة الجماعية الصهيونية في غزّة، وبالتالي في الاعتداءات الجنسية على الأسرى الفلسطينيين/ات.
لم يهمس الطلاب بمطالبهم/ن. بل رفعوا/ن الصوت ليرفضوا/ن عار التمويل، وأقاموا مخيمات احتجاجية. حينها، اعتُقل اثنان وعشرون طالبًا/ة واثنان من الموظفين أثناء احتجاجات سلمية؛ عقوبةٌ لم يواجهها حتى الآن أيٌّ من الرجال السبعة المتهمين بالاغتصاب الجماعي. مع العلم أن الطلاب حينها فرضوا/ن إجراء تصويت؛ صوّت فيه 70% من الجسم الطلابي لصالح سحب الاستثمارات من الإبادة الجماعية، إلا أن كورنيل أصرّت على تغذية الإبادة، ولم تسحب استثماراتها.
أليس هذا أيضًا جزءًا يستحقّ الوقوف عنده، والتأمل طويلًا، قبل كتابة مقالات عن الاعتداء الجنسي؟ بل هو لبّ القضية، لأن العنف الجنسي ليس هامشًا من هوامش العنف الواقع على الفلسطينيين/ات.
إنه جزء أساسيٌّ من “القصاص المفترض”، لربّما -وإن غاب عن بال المؤسسة- فعن عمد.
“الأخوية الطلابية” ليس سجنًا، وإدارة جامعة ليست جيشًا، وإيثاكا ليست فلسطين، ولكن..
فالأسلحة التي تموّل إنتاجها الجامعة لا تعمل بمعزلٍ عن منظومات القوة وأدواتها، ومن بينها الاغتصاب. فالقوة العسكرية لا ينتهي أثرها لحظة سقوط القنبلة أو القذيفة، بل هنا يبدأ، عبر خلق واقعٍ يُجرَّد فيه بعض البشر من الحماية، بينما يُمنح آخرون/أخريات سلطةً شبه مطلقة على أجسادهم/ن، بما يتيح لهم ممارسة العنف مع إفلاتٍ مدمّر من العقاب.
اغتصاب، اغتصاب جماعي، محاولات اغتصاب، استخدام أجسام لاختراق أجساد الأسرى، اعتداء موجّه على الأعضاء الجنسية، تعرية قسرية، تفتيش عارٍ، تهديد بالاغتصاب، إذلال جنسي؛ كل هذا وغيره من الانتهاكات تعرّضت له النساء، وتعرّض له الرجال، وتعرّض له الأطفال في فلسطين.
وهنا نجد الناجية من الاغتصاب الجماعي في كورنيل في المقال نفسه مع الأسرى الفلسطينيين/ات. ليس لأن تجربتيهما متطابقتان. ليستا كذلك. مسكن “الأخوية الطلابية” ليس سجنًا، وإدارة جامعة ليست جيشًا، وإيثاكا -مقر الجامعة- ليست فلسطين.
لكن العنف الجنسي لا يولد في فراغ، إنه يعيش ويتغلغل داخل منظومات القوة، والمؤسسات تختار موقعها من هذه المنظومات. وكورنيل اختارت.
لهذا بات من الصعب عليّ أن أتعامل مع ما حدث داخل ذلك البيت، ومع استجابة الجامعة له، كما لو أنهما ينتميان إلى عالمٍ أخلاقيٍّ منفصلٍ تمامًا عن الموقع الذي حجزته لنفسها المؤسسة حين قررت أين تستثمر أموالها، وأيّ أنواع العنف تسهم تلك الأموال في استمرارها.
أتساءل هنا: ماذا تقصد المؤسسة فعلًا حين تتحدث عن ضرورة مناهضة العنف ضد النساء؟ وهل لا يصبح العنف مهمًا إلا عندما يقع داخل حدود حرمها الجامعي؟ وحتى هناك، متى يصبح خطيرًا بما يكفي ليستدعي أكثر من نشر مقالات عن الاعتداء الجنسي؟ وهل يصبح العنف الجنسي مسألة أخلاقية تخصّ الآخرين وحدهم عندما يقع في سجن يبعد آلاف الكيلومترات؟ وماذا لو كانت أموال المؤسسة نفسها تسهم في تمويل ذلك العنف؟
هذه الأسئلة مهمة لأن جامعات مثل كورنيل لا تكتفي بالتعليم، إن كانت تهتم بذلك أصلًا. إنها مؤسسات تمتلك ثروات هائلة ونفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا ومؤسسيًا واسعًا. وكما جادلت المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي، فإن الجامعات من بين المؤسسات المتورطة فيما تصفه بالانتقال من “اقتصاد الاحتلال” إلى “اقتصاد الإبادة الجماعية”.
لا يمكن للجامعة أن تعلّق ملصقات عن الموافقة الجنسية على جدران حرمها، ثم تموّل الأسلحة التي تخلق الظروف لمعسكرات الاغتصاب. لا يمكنها أن تدرّس حقوق الإنسان يوم الإثنين، ثم تتعامل يوم الثلاثاء مع استثماراتها العسكرية كأنها قرارات مالية محايدة، لا تترتب عليها مسؤولية أخلاقية ولا صلة لها بالعنف الذي تموّله.
لا يمكنها أن تعلن أن العنف الجنسي غير مقبول، ثم ترفض النظر في علاقتها المادية بمنظومات يتفشى فيها العنف الجنسي، بل بالأحرى في تغذيتها لهذه المنظومات.
ولا يمكنها أن تقول لطلابها إنهم آمنون/ات داخل الحرم الجامعي، ثم تطلب من المغتصبين أن يكتبوا مقالًا كعقوبةٍ على الاعتداء الجنسي.
لأنه لا شيء محايدًا في الإبقاء على الوضع القائم دون أن تحرّك الجامعة ساكنًا. لا في الحرم الجامعي، ولا في فلسطين، وهذا ما فهمه طلاب كورنيل.
لم يطلبوا/ن من جامعتهم/ن أن تشعر بشيء مختلف. طلبوا/ن منها أن تفعل شيئًا: أن تسحب الاستثمارات وترفض التواطؤ، وأن تترجم تلك القيم التي تحب الجامعات أن تطبعها على منشوراتها، وتعلّقها على جدرانها، وتستخدمها في تسويق نفسها، إلى أفعال. لكن كورنيل، مثل عدد كبيرٍ من مؤسسات التعليم العالي الأميركية، لم تفعل.
انزعوا التصنيفات، انزعوا أسطورة التفوق، وبعدها، انظروا إلى ما يتبقّى حين تخذل مؤسسةٌ الناجياتِ من الاعتداء الجنسي.
أتساءل: لماذا نصرّ على التعامل مع أخلاقيات مؤسسة تربوية ما كما لو أمكن تقسيمها إلى أقسام إدارية منفصلة، يعمل كلٌّ منها بمعزل عن الآخر؟ كأن المال لا علاقة له بالعنف، والعنف لا علاقة له بالقوة، والقوة لا علاقة لها بالنوع الاجتماعي.
View this post on Instagram
ما خلف أسطورة “العراقة”
تسوّق كورنيل، وجامعات رابطة الآيفي (Ivy League) – وتعني رابطة اللبلاب، وهي مجموعة تضم ثمانيًا من أقدم و”أعرق” الجامعات الخاصة في شمال شرق الولايات المتحدة -، وعددٌ من الجامعات الأميركية نفسها باعتبارها مؤسسات نخبوية للتعليم والقيادة الأخلاقية. لكن “العراقة” أو “المكانة الاجتماعية” لا تبرّئان مؤسسةً مما تتسامح معه وتحميه. ولا مما تتيح له، بأموالها، أن يستمر.
انزعوا التصنيفات،
انزعوا أسطورة التفوق،
وبعدها، انظروا إلى ما يتبقّى حين تخذل مؤسسةٌ الناجياتِ من العنف الجنسي عن سابق إصرار وتصميم، بينما تصرّ على الاستثمار في منظومات ترتكب فظائع جماعية.
فعندما يقع العنف، تقرّر المؤسسات مَن سيُترك/تُترك وحيدًا/ةً لمواجهة آثار الاعتداء الجنسي في جسده/ا وذاكرته/ا، ومَن سيُسمح له/ا بمواصلة حياته/ا بعدما كتب/ت، ببساطة، مقالًا عن الاعتداء الجنسي.