“زمرد” و”حرتوقة”.. إن لم تجدي طريق النجاح ابتكريه

في شارع “إلياس المدور” في منطقة فرن الشباك، محلان يجاوران بعضهما، “زمرد” و”حرتوقة”. ولكلٍ منهما طاقة تشدّ المارّين/ات إليها، أو تدعو إلى التساؤل عمّا في داخلهما؟

عمر “زمرد” سنة ونصف، وهو مقهى ومطعم غير تقليدي، يُعدّ فيه طعامٌ بيتي، تحضّره نساء وجدنَ في المكان فرصةً لتحويل العمل الرعائي إلى عملٍ يجنين منه رزقهنّ، ويعبرن منه إلى سوق العمل والاستقلال المادي.

وفي المقهى توجد “نملية ست زمرد”، التي تحتوي على “مونة” عملت النساء المنخرطات ضمن مشروع “زمرد” على إعدادها، تستخدم في إعداد الفطور أو الغداء، ويُباع قسمٌ آخر للناس، خصوصاً بعد عودة أهمية المونة التي لطالما رافقت اللبنانيين/ات خلال الحروب والأزمات.

“اسمي ناهدة توبة، مصمّمة أزياء ومدرّبة حرفية. بدأنا العمل في مطعم زمرد ومشغل حرتوقة بمبادرة فردية، أنا وشريكتي رشا شكر. ففي العام 2018، استقطبنا عدداً من النساء لا يتجاوز الستة، وأسسنا شركة مدنية هي مشغل حرتوقة، ويضم مطعم زمرد”، قالت ناهدة إحدى مؤسسات المشروع لمنصتنا.

وأضافت: “نعمل مع النساء اللواتي سبق وخضعن لتدريباتٍ متعلقة بالمونة، وهي أمر تراثي. وقد خُلقت فكرة المونة حين لم تكن كل الموارد متوفرة، مثل الكهرباء والمياه. وكان الناس مضطرون/ات لإعداد المونة مثل اللبنة المكعزلة، التي لا تنفق ولا تحتاج إلى براد، للتأقلم مع ظروف الحياة والأزمة وكي تستمر بالبقاء”.

أما عن فرادة الاسم، فخرج من معنى المكان وجدوى استمراريته. فزمرد، هو الحجر الكريم، وقد اختارتا هذا الاسم رغبةً منهما بربط الناس بالأصالة والأرض. “نحن عم ناكل أكل بيتي” أوضحت ناهدة، “بينما هذا الجيل لم يعد متعوّداً على الطعام التقليدي، مثل المجدرة والبرغل”.

وزمرد أيضاً هو اسم شخصية فنية للممثلة والفنانة الراحلة فريال كريم، التي عرفت في مسلسل “الدنيا هيك”. وهي كانت من أوائل النساء اللواتي أخذن دور العاملات. فهي كانت تعمل في قهوة “الفلمنكي” في المسلسل.

ناهدة

من جهتها، قالت رشا: “نحن نتمثل بشخصية الست زمرد، التي كانت تغني وتعمل وتقدّم القهوة، فالنساء لا ينحصر دورهن فقط في الإنجاب والعمل الرعائي والزواج، بل بقدرتها على أن تكون مستقلة عن كل الأدوار المفروضة عليها”.

وشرحت أن “هذا المسلسل شكّل نقلةً في نظرة المجتمع للنساء. فقبل صدور المسلسل، لم يكن للنساء دور بطولي، بل كان دورهنّ ثانوياً. لذلك، بالنسبة إلينا مطعم زمرد هو كل امرأة قادرة، والنساء فعلاً قادرات”.

وبينما تقع بعض المصادفات لتكمل جمالية قصصنا، ذكرت رشا بحيوية: “بالمناسبة، عرفنا أن فريال كريم كانت تسكن في هذا الشارع”.

وإيماناً بالعمل التشاركي، أجرت رشا وناهدة ورشة عمل مع نساء كبيرات في العمر، سبق وأن تدرّبنَ مع جمعياتٍ أخرى على إعداد الطعام التراثي والتقليدي، وعلى جودة النوعية.

كما جهزتا مطبخين لامرأتين في منزليهما الخاصين، لتحضير فيهما الطعام لـ”زمرد”، من دون أن تتكلفا بالتنقل من وإلى المطعم.

وذكرت ناهدة أن “جزءاً من الطعام الموجود في زمرد تطبخه السيدتين، وجزءاً آخر تقومان بتحضيره كي نطبقه في زمرد”.

انطلقت رشا وناهدة أيضاً بفكرة مشروع “حرتوقة” من مبدأ دعم النساء والفتيات، بعد فترةٍ طويلةٍ من العمل مع الجمعيات.

وعن هذا الأمر، قالت ناهدة: “معرفتنا الوثيقة بأن النساء مهمّشات، وأن هناك فئة كبيرة من النساء اللواتي لا يحظين بفرص العمل والتقدم، دفعتنا لإلقاء الضوء عليهن، وأن نكون بادرة لهن كي يستفدن”.

رشا شكر

ما تقوم به رشا وناهدة في المشغل هو توزيع المواد الأولية على النساء اللواتي يعملن معهما. ويقمن بزيارتهن في بيوتهن، وتقدمان لهن المواد الأولية، ليعملن من داخل المنزل.

والهدف هو التخفيف من أعباء النساء، والأعمال المضاعفة التي تقوم بها. أولاً إذا كان للسيدة أولاد، لا تتكبد عناء الطريق ولا تضطر إلى ترك منزلها. وثانياً كي لا تدفع كلفة المواصلات المرتفعة، وتقومان بالتواصل معهن عبر واتساب.

تجلس رشا، مديرة البيع والتطوير في “حرتوقة”، المفعم بالألوان وفي عينيها حبّ وارتياح للمكان. وقالت لمنصتنا: “التقينا أنا وناهدة في أشغال مختلفة، وجمعيات متعددة. وكان لدينا دائماً تحفّظ على المبادرات والجمعيات التي تعمل على تمكين النساء من خلال الدورات التدريبية المحدودة لجهة الوقت والزمان والمكان. فعند انتهاء كل دورة تعود المتدربات إلى بيوتهنّ، وينتظرن دورة أخرى، من دون وجود ديمومة لهذه الدورات، لذلك قررنا أن نعمل على سدّ هذه الثغرة”.

 

عمر “حرتوقة” ثلاث سنوات، إذ بدأ عام 2018. وكانت المُؤسِسَتان قبل بدء المشروع، تعملان في برامج مع عدة جمعيات لدعم النساء وتمكينهنّ حرَفياً وما تزالان.

“حرتوقة” مشغل حرفيّ وفني، يعمل على تصميم الملابس وبيعها، وإعادة تدوير ملابس الناس، وصناعة الأكسسوارات والأشغال اليدوية، وعرض المنتجات الفنية التي تحمل قصصاً في خلفيتها.

ولعلّ كل قطعة تخرج من هذا المحل تحمل في ثناياها فكرةً أو قصة أو مبدأ. وهذه هي الفكرة منه، في أن يحمل معنى وإفادة للجميع. ولمبدأ “حرتوقة” أجمل تفصيل.

تكمل رشا حكاية “حرتوقة ” :”عام 2017 قرّرنا أن نتخصّص في إدارة الجمعيات غير الحكومية، وحصلنا على دبلوم في هذا المجال. ومن ضمن هذا الاختصاص صمّمنا هذا المشروع، ولكن بقي حينها حبراً على ورق. واستمر كذلك حتى نفذنّاه بهدف سد ثغرات البرامج، التي تعمل على تمكين النساء، حتى يمتلكن فرصاً لكسب مردودٍ مادي بشكلٍ مستدام. فاستقلالية النساء المادية هي أول خطوة لحريتهن. ولاحقاً، ليؤدين أدوارهن على نحوٍ فعال في المجتمع”.

 

ماذا يتضمن مشغل حرتوقة؟

يقدّم المشغل دوراتٍ تدريبية لأيّ امرأة تحبّ أن تتعلم التطريز الفلسطيني، والتطريز العادي، والكروشيه، وصناعة الأكسسوارات.

كما يقدّم دوراتٍ تدريبية للفتيات والشابات خلال العطلة الصيفية، بهدف أن تعلّم الشابات غيرهن من الفتيات ما اكتسبنه.

وأوضحت ناهدة أن “رسم الاشتراك في الدورة بالتأكيد ليس باهظاً، ويهدف إلى تغطية تكاليف المواد الأولية التي ندرّب فيها، والتي تستعملها المتدربات. كما يفتح هذا المكان المجال للنساء أن يحظين بفرص تدريب في منظمّات دولية ومحلية. وبالتالي هذه فرصة من نوع آخر للنساء العاملات مع حرتوقة.

وأضافت: “مؤخراً حصلت امرأتين على فرصة كي يُدَرّبن خلال ورشة عمل، تحت إشرافنا ومسؤوليتنا، فنحن نعرف جيداً قدرات هؤلاء النساء، وأن التدريب الذي يحصلن عليه يمكّنهنّ من الانطلاق إلى العمل مع جهاتٍ أخرى”.

وقالت: “نحن تربينا على العمل الاجتماعي. لذلك نؤمن أنه، حتى لو اضطررنا للعمل من داخل بيوتنا سنعمل، وبالنتيجة لا يستطيع أي ظرف إيقافنا عن العمل. ونحن موظفات في مؤسسات وجمعيات، ونسعى إلى أن نبقى موظفات لنحصل على معاشٍ شهري، حتى لا يتوقف هذا المشغل عن العمل، أو أن يخف عمله، لأن ذلك سينعكس سلباً على النساء المستفيدات منه لجهة توفير فرص عمل لهن”.

تنظر ناهدة إلى رشا وتقول: “رشا تسعى دائماً كي نحصل على تمويل، وبالفعل نجحت بالحصول على تمويل صغير من جمعيةGIZ ، ومن خلاله، استطعنا ضمّ عاملات إضافيات إلى فريق عملنا. فكان هناك قبل هذا التمويل 10 نساء، فأصبحن بعد التمويل 45 امرأة. لذلك، أي دعم صغير، يفيد تقريباً 12 عائلة”.

وتشرح أكثر: ” أنا شخصياً أعيش مقولة هاني بعل: إذا لم نجد طريق النجاح فعلينا أن نبتكره. لذا، كلّ امرأة تستطيع أن تطبّق هذه المقولة. وطبعاً المجموعات الداعمة هي واحدة من أهم الركائز لتحقيق ذلك النجاح. لذلك نحن دائماً نحتاج إلى من يدعمنا حتى نصل إلى أهدافنا”.

وأنهت كلامها قائلة: “المشغل ليس كبيراً جداً، ولكن أنا أشبّهه بالبيت الصغير الذي يساع الدنيا كلها”.

زمرد وحرتوقةتسعى المؤسستان إلى الترويج لممارسات بيئية ضمن مشروعهما، من بينها التخفيف من الاستهلاك وإعادة التدوير.

وأوضحت رشا: “لا ترموا/ين ثيابكم/ن، أحضروها/أحضرنها إلى حرتوقة ونحن نعيد تدويرها، وبنفس الوقت ندعم النساء اللواتي يعملن في مجال الخياطة والتطريز”.

 

كما ذكرت رشا أنه “من ضمن أهداف المشروع تقديم خدمة لكلّ فئات المجتمع، لتكون الملابس المميزة بمتناول كل الفئات. بمعنى أنه، في الوقت الحالي، إذا أراد الناس أن يحصلوا/يحصلن على ثياب مميزة لجهة التصميم والنوعية، يحتاجون إلى مبلغٍ كبيرٍ للحصول عليها. بينما هدفنا أن تكون كل قطعة ملابس مصممةً بطريقة فريدة، فلا يوجد في هذا المكان إلا قطعة واحدة من كل زيّ أو شكل، وسعره يكون بمتناول الجميع”.

كما أن واحدة من أهم أهداف المشغل، أن لا تتوقف النساء عن العمل، الذي يقمن به تحت إشراف ناهدة، التي قالت: “لدينا القدرة على تلبية أي طلبية وأي كمية عمل، لأن هذا الأمر يعني مدخولاً إضافياً لفريق العاملات معنا. نحن مبادرة صغيرة وناشئة، ندعم بعضنا بما هو متوفر لدينا ومعنا. وفي هذا المشغل، نستقبل أيضاً التبرعات من مواد أولية، كالخيطان أو الأزرار. فهذه التبرعات تخفّف من التكاليف وتُكثر من الفرص للعاملات والقادرات على الإنتاج. انشالله بتعطيني كيس زرار أنا بلاقي مهم جداً”.

أما رشا فذكرت أن “هذا العمل يشعرني بأن ما أقوم به له معنى وله تأثير. في كل يوم أستيقظ فيه، وفي رأسي فكرة تدور، مفادها أن هذا المكان يجب أن يستمر، وأن يتحسّن، وأن يبيع منتجات النساء. لأن هذا العمل يعود بالفائدة على أكثر من شخص، وهدفه ليس مادياً فقط، بل أبعد من ذلك”.

تصوير وكتابة: زهراء الديراني

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد