مصر: إطلاق مشروع قانون موحد لمناهضة العنف وسط مطالبات بإقراره في البرلمان

عقدت مؤسسات قوة عمل القانون الموحد لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات، والتي تضم مؤسسة تدوين لدراسات النوع، ومؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، ومؤسسة المحاميات المصريات، ومؤسسة قضايا المرأة المصرية، أول أمس 8 تموز/يوليو الجاري، مؤتمرًا إعلاميًا للإعلان عن تبني النائبة مها عبد الناصر لمشروع القانون الموحد تمهيدًا لطرحه للنقاش في دور الانعقاد المقبل لمجلس النواب.

وجاء هذا المؤتمر تتويجًا لسنوات من العمل المشترك والجهود المتواصلة التي بذلتها مؤسسات قوة العمل من أجل تطوير وتحسين المنظومة التشريعية الخاصة بحماية النساء والفتيات من العنف، وتعزيز الضمانات القانونية اللازمة لوصولهن إلى العدالة. كما يعكس المؤتمر أهمية التعاون بين مؤسسات المجتمع المدني والسلطة التشريعية لدفع مشروع القانون نحو المناقشة والإقرار.

وأكد هذا التبني أهمية استمرار الجهود الرامية إلى إصدار قانون موحد وشامل لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات، يضمن الوقاية والحماية والمساءلة وجبر الضرر، بما يتوافق مع الدستور المصري والالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وأكدت عضوة مجلس النواب مها عبد الناصر أن تصاعد معدلات العنف في المجتمع المصري ينعكس بصورة أكبر على النساء والأطفال/ات، باعتبارهم/ن الفئات الأكثر هشاشة والأكثر تعرضًا لمختلف أشكال العنف.

وأوضحت مها، خلال كلمتها في المؤتمر، أن العنف يعيد إنتاج نفسه عبر سلسلة متوارثة تبدأ من ضغوط يتعرض لها الأفراد في بيئات العمل أو الحياة العامة، ثم تنتقل إلى داخل الأسرة، بما يخلق دائرة لا تنتهي من الانتهاكات، مؤكدةً أن كسر هذه الحلقة يتطلب تدخلًا تشريعيًا ومؤسسيًا حاسمًا.

وأضافت إن هذا الواقع كان دافعًا لخوضها معركة إصدار قانون شامل لمناهضة العنف ضد المرأة، مؤكدةً أن السعي لإقرار التشريع يمثل مسؤولية جماعية، بغض النظر عن نتائج المحاولة الحالية، في ظل جهود برلمانية سابقة لم تكتمل.

ولفتت إلى أن العنف ضد المرأة لا يقتصر أثره على الضحايا، بل يفرض تكلفة اقتصادية واجتماعية باهظة، مشيرة إلى أن بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS) قدرت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن العنف ضد المرأة بما يتراوح بين 3 و7 مليارات جنيه وفقًا لمسح عام 2015، مرجحة تضاعف هذه التكلفة مع تزايد معدلات العنف خلال السنوات الأخيرة.

وأضافت أن العنف يسهم كذلك في اتساع الفجوات المتعلقة بتعليم النساء ومشاركتهن في سوق العمل والحياة العامة.

وأشارت عضوة مجلس النواب إلى أن من أبرز ما يميز مشروع القانون تخصيص باب كامل للإجراءات القضائية والتحقيقات ووسائل الإثبات، إلى جانب باب آخر للتدابير والإجراءات الاحترازية، بما يوفر آليات أكثر فاعلية لحماية الناجيات. وأضافت أن هذه التوجهات تتسق مع جهود حكومية جارية، بالتعاون مع منظمات دولية، لإنشاء وحدات متخصصة داخل المحاكم والنيابات لتقديم خدمات متكاملة للنساء المعنفات.

وكشفت عبد الناصر أنها اقترحت حذف النص الخاص بالاغتصاب الزوجي من المسودة الحالية، معتبرةً أن الإبقاء عليه قد يؤدي إلى اختزال النقاش حول القانون بأكمله في هذه القضية وحدها ويؤثر على فرص إقراره، مع تأكيدها في الوقت نفسه ضرورة النص بشكل واضح على تجريم إجراء كشوف العذرية دون موافقة المرأة أو دون سند قانوني.

وشددت على أن مشروع القانون يرسخ مبدأ عدم منح أي حصانة لمرتكبي العنف داخل الأسرة، مؤكدة أن صلة القرابة، سواء كان الجاني زوجًا أو أبًا أو أخًا أو أي قريب آخر، لا يجوز أن تشكل سببًا للإفلات من المساءلة القانونية.

وأضافت أن فلسفة مشروع القانون لا تقوم فقط على تشديد العقوبات السالبة للحرية، وإنما على وضع تدرج يتناسب مع طبيعة كل جريمة، بما يحقق العدالة ويمنح القاضي مساحة لتطبيق العقوبة الملائمة وفق جسامة الفعل.

“حذفت النص الخاص بالاغتصاب الزوجي من أجل تمرير القانون ومنع اختزال النقاش حول القانون بأكمله في هذه القضية وحدها”.. مها عبد الناصر، عضوة مجلس النواب

واختتمت كلمتها بالتأكيد على أن مواجهة العنف ضد المرأة ليست قضية تخص النساء وحدهن، بل قضية مجتمع بأكمله، لأن استمرار العنف ينعكس على استقرار الأسرة ويؤدي إلى تنشئة أجيال تحمل آثارًا نفسية واجتماعية خطيرة، فضلًا عن الخسائر الاقتصادية التي تتحملها الدولة والمجتمع.

ومن جانبها، قالت انتصار السعيد، المحامية والمديرة التنفيذية لمؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، إن الإعلان عن مشروع القانون الموحد لمناهضة العنف ضد النساء يمثل تتويجًا لجهود استمرت لأكثر من عشر سنوات، شهدت إعداد أكثر من مسودة للمشروع وتقديمها إلى البرلمان في أكثر من مناسبة، مثمنةً دعم عدد من عضوات مجلس النواب اللاتي تبنين المشروع على مدار السنوات، وآخرهن النائبة مها عبد الناصر.

وأوضحت السعيد أن إعداد مشروع القانون جاء استجابة لواقع عملي كشفته الخبرة الميدانية في التعامل مع النساء الناجيات من العنف، حيث تضطر الضحايا إلى التنقل بين جهات وإجراءات وقوانين متعددة للحصول على الحماية والإنصاف، مؤكدة أن مواجهة العنف ضد المرأة لا تقتصر على تشديد العقوبات، وإنما تتطلب إطارًا تشريعيًا متكاملًا يجمع بين الوقاية والحماية والدعم والعدالة والمساءلة.

“إعداد مشروع القانون جاء استجابة لواقع عملي كشفته الخبرة الميدانية في التعامل مع النساء الناجيات من العنف”.. انتصار السعيد، المديرة لمركز القاهرة للتنمية والقانون

وأضافت أن صياغة المشروع جاءت ثمرة عشرات الاجتماعات وورش العمل التي شارك فيها خبراء/ات ومحامون/ات وباحثون/ات ومؤسسات تعمل مع النساء والناجيات من العنف، مشيرة إلى أن المسودة خضعت لمراجعات متكررة كلما ظهرت ملاحظات أو رؤى جديدة، حتى خرجت في صورتها الحالية التي تعكس خبرة تراكمية ورؤية جماعية.

وأشارت إلى أن مسار إعداد المشروع شهد تحديات وإحباطات متكررة، سواء بسبب تأجيل مناقشته أو الاضطرار إلى إعادة العمل عليه من جديد، إلا أن إيمان المشاركين/ات بأهمية توفير حماية قانونية شاملة للنساء دفعهم إلى مواصلة العمل، مؤكدة أن النساء في مصر لا يملكن رفاهية انتظار تشريع يوفر لهن الحماية.

وأكدت السعيد أن النقاشات التي صاحبت إعداد المشروع، رغم ما شهدته من اختلاف في وجهات النظر، انتهت دائمًا إلى توافق حول أفضل الصياغات القانونية، بما يعكس حرص جميع المشاركين على الوصول إلى مشروع قانون قادر على توفير حماية فعالة للنساء.

وشددت على أن الهدف من المشروع لا يقتصر على إعداد نص تشريعي، بل الدفع به إلى البرلمان لفتح نقاش مجتمعي وتشريعي جاد حول أفضل السبل لمناهضة جميع أشكال العنف ضد النساء.

واختتمت كلمتها بالتأكيد على أن مشروع القانون يمثل ثمرة عمل جماعي شاركت فيه مؤسسات وخبراء/ات وأعضاء/ات في قوة العمل، ولا ينسب إلى مؤسسة أو شخص بعينه، معتبرة أن حماية النساء قضية وطنية تتطلب تعاون جميع الأطراف لإقرار تشريع أكثر شمولًا وفاعلية.

“المشروع يتضمن للمرة الأولى معالجة قانونية لجرائم قتل النساء “femicide .. أمل فهمي، المديرة التنفيذية لمركز تدوين

قالت أمل فهمي، المديرة التنفيذية لمركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعي، إن النسخة الحالية من مشروع القانون الموحد لمناهضة العنف ضد النساء تختلف بصورة كبيرة عن المسودات السابقة التي طُرحت منذ عام 2016، بعدما جرى تحديثها لتواكب أنماط العنف المستجدة التي شهدها المجتمع خلال السنوات الأخيرة.

وأوضحت أن المشروع يتضمن للمرة الأولى معالجة قانونية لجرائم قتل النساء (الفيميسيد femicide )، في ظل تزايد هذه الجرائم، إلى جانب تخصيص باب مستقل للجرائم الإلكترونية التي تستهدف النساء، بعد اتساع نطاقها وتأثيرها.

وانتقدت أمل الاعتماد على سياسة تغليظ العقوبات باعتبارها الحل الوحيد لمواجهة العنف ضد المرأة، مؤكدة أن التجربة العملية أظهرت أن العقوبات المشددة لا تؤدي بالضرورة إلى تحقيق العدالة أو زيادة معدلات الإدانة. وأشارت إلى أن تشديد العقوبات في جرائم ختان الإناث والتحرش لم ينعكس في كثير من الحالات على الأحكام القضائية، إذ يميل القضاة إلى عدم تطبيق العقوبات القصوى، وهو ما يفتح الباب أحيانًا أمام ضغوط تدفع الضحايا إلى التنازل عن البلاغات.

وأضافت أن فلسفة مشروع القانون تقوم على إقرار منظومة عقابية متدرجة تتناسب مع طبيعة كل جريمة، وتشمل بدائل مثل الغرامات والخدمة المجتمعية في بعض الجرائم، بما يحقق عدالة أكثر فاعلية ويزيد من فرص صدور أحكام قابلة للتطبيق، بدلاً من الاكتفاء بعقوبات مغلظة قد تحد من فعالية إنفاذ القانون.

وأكدت أن الوصول إلى الصيغة الحالية للمشروع استغرق سنوات من العمل المؤسسي المشترك بين المنظمات النسوية، وشهد نقاشات مطولة حول عدد من القضايا الخلافية، قبل التوافق على نصوص تعبر عن رؤية جماعية، مشيرة إلى أن عملية الصياغة القانونية تمت بالتعاون مع لجنة استشارية ضمت محامين ومحاميات وخبراء قانونيين.

وأوضحت أن العمل على المشروع اعتمد على ثلاثة مسارات متوازية، شملت المسار التشريعي عبر اللجنة القانونية، والمسار البرلماني من خلال التعاون مع عدد من أعضاء مجلس النواب لتبني المشروع، إلى جانب مسار ثالث يركز على بناء الوعي المجتمعي بأهمية القانون وأهدافه.

وأضافت أن قوة العمل تعتزم إطلاق حملات إعلامية وتوعوية مشتركة خلال المرحلة المقبلة لشرح فلسفة مشروع القانون للرأي العام، خاصة فيما يتعلق بفلسفة العقوبات، مؤكدة أن نجاح أي إصلاح تشريعي يتطلب دعماً مجتمعيًا إلى جانب الجهد البرلماني.

واختتمت بالتأكيد أن تجربة إعداد مشروع القانون أثبتت أهمية العمل التشاركي بين منظمات المجتمع المدني والخبراء والبرلمانيين، معتبرة أن تعزيز التعاون بين مختلف الأطراف يمثل السبيل الأكثر فاعلية لدفع أجندة حقوق النساء وتحقيق إصلاحات تشريعية مستدامة.

 

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد