
بعد رحيلها.. من هي”بطلة القمم” العُمانية نظيرة الحارثي؟
أنهت المتسلقة العُمانية نظيرة بنت أحمد عبد الله الحارثي رحلتها بين أعلى قمم العالم، بعدما تُوفيت إثر انهيار ثلجي ضرب بعثة دولية كانت تشارك فيها على جبل برود بيك في سلسلة كاراكورام شمال باكستان، في 30 تموز/يوليو 2026.
وأكدت وزارة الثقافة والرياضة والشباب العُمانية نبأ وفاتها، بعدما أعلن نادي جبال الألب الباكستاني انتشال جثمانها. وكانت نظيرة ضمن فريق يضم عشرة متسلقين انقطع الاتصال بهم أثناء محاولة بلوغ قمة برود بيك، الذي يبلغ ارتفاعه 8047 مترًا، ويحتل المرتبة الثانية عشرة بين أعلى جبال العالم.
وكان الاتصال قد انقطع، صباح الخميس، مع فريق يضم عشرة متسلّقين/أت بقيادة المتسلق البريطاني-النيبالي نيرمال بورجا (43 عامًا)، عقب وقوع الانهيار.
وأفادت السلطات المحلية بأن الجثث التي تم انتشالها تعود لامرأة أميركية وأخرى عُمانية ورجل نيبالي، وقد نُقلت بواسطة مروحية إلى المستشفى للتعرف عليها رسميًا.
وأوضحت شرطة إقليم غلغت بلتستان، الواقع شمال البلاد، أن عمليات البحث استؤنفت السبت لليوم الثاني، بعد توقفها مؤقتًا الجمعة بسبب سوء الأحوال الجوية. وتشارك في الجهود فرق إنقاذ محلية، وحمّالو جبال، إلى جانب مروحيات تابعة للجيش الباكستاني.
أول امرأة عُمانية على قمة ” إيفرست”
قبل سبعة أعوام من رحلتها الأخيرة، وقفت نظيرة الحارثية على قمة جبل إيفرست في 23 أيار/ مايو 2019، لتصبح أول امرأة عُمانية وثاني عُماني يبلغ أعلى قمة في العالم.
في تلك اللحظة، أخرجت ورقة صغيرة كُتب عليها اسم خالد السيابي، أول عُماني صعد إلى إيفرست، والذي كان صاحب الفضل في تدريبها وتشجيعها على خوض التجربة نفسها. وكان السيابي قد توفي بينما كانت الحارثية ضمن بعثة التسلق، لكنها واصلت الرحلة وحملت اسمه معها حتى القمة.
ونقلت صحيفة “خليج تايمز” عن المتسلق محمد عيسى قولها: “أول رجل عُماني ساعدني لأصبح أول امرأة عُمانية.”
عرض هذا المنشور على Instagram
من التعليم إلى قمم الجبال
تنحدر نظيرة الحارثية من ولاية المضيرب بمحافظة شمال الشرقية في سلطنة عُمان، ونشأت في أسرة محافظة، ولم يكن تسلق الجبال ضمن المسارات المتوقعة في حياتها.
درست العلوم الاجتماعية في كلية التربية بالرستاق، ثم حصلت على درجة الماجستير في الدراسات الجغرافية من جامعة السلطان قابوس. وبدأت مسيرتها المهنية معلمةً للجغرافيا، قبل أن تنتقل إلى تطوير المناهج، وتتولى عددًا من المناصب القيادية في وزارة التربية والتعليم.
المحاولة الأولى التي صنعت الحلم
بدأت علاقتها بتسلق الجبال عام 2015، عندما قادت مجموعة من الطلبة/ات العُمانيين/ات إلى جبل كليمنجارو في تنزانيا ضمن برنامج “غلوب” التعليمي المعني بجمع البيانات البيئية.
وأثناء الرحلة، أُصيبت بداء المرتفعات واضطرت إلى التوقف قبل بلوغ أعلى قمة في أفريقيا. إلا أن تلك التجربة لم تُنهِ حلمها؛ إذ عادت لاحقًا إلى كليمنجارو وتمكنت من بلوغ القمة، لتبدأ بعدها مسيرة من أبرز مسيرات التسلق في العالم العربي.
إنجازات على أخطر قمم العالم
لم يكن الوصول إلى إيفرست نهاية رحلتها، بل نقطة انطلاق لسلسلة من الإنجازات.
في يناير/كانون الثاني 2021، بلغت قمة آما دابلام في نيبال، بعد محاولة سابقة توقفت فيها قبل القمة بنحو 300 متر بسبب داء المرتفعات، لتصبح -بحسب موقعها الشخصي- أول امرأة عربية تصل إلى قمة هذا الجبل المعروف بمنحدراته الحادة وتضاريسه الصعبة.
وفي العام نفسه، صعدت ماناسلو، ثامن أعلى جبال العالم، ثم حققت عام 2022 إنجازًا جديدًا ببلوغ قمة كي 2 في باكستان، ثاني أعلى جبل في العالم وأحد أخطر جباله بسبب تضاريسه القاسية وتقلباته الجوية.
وفي 2023 أضافت قمة ماترهورن في جبال الألب إلى سجلها، قبل أن تعود إلى باكستان في تموز/يوليو 2024 لتبلغ قمة نانغا باربات، المعروف بلقب “الجبل القاتل”.
معلمة لم تبتعد عن رسالتها
بالتوازي مع إنجازاتها الرياضية، واصلت الحارثية مسيرتها في قطاع التعليم.شغلت منصب مديرة دائرة المواطنة في وزارة التربية والتعليم، ثم نائبة المدير العام بالمديرية العامة للكشافة والمرشدات، كما تولت تنسيق برنامج “غلوب” في سلطنة عُمان، وترأست الاتحاد العُماني للرياضة المدرسية.
وقبل وفاتها بنحو خمسة أسابيع، انتُخبت عضوةً في مجلس إدارة الاتحاد الآسيوي للرياضة المدرسية للفترة “2026-2030”
وقال الاتحاد الدولي للرياضة المدرسية إن انتخابها جاء خلال الجمعية العمومية التي عُقدت في الصين، فيما أوضحت الحارثية، في تصريحات نشرتها صحيفة «عُمان أوبزرفر»، أنها كانت تطمح إلى توسيع مشاركة الطلبة/ات العُمانيين/ات في البطولات الآسيوية، مع اهتمام خاص بدعم رياضة النساء والفتيات.
الرحلة الأخيرة
في صيف 2026، عادت نظيرة إلى سلسلة كاراكورام، حيث سبق أن حققت إنجازات بارزة على قمتي كي 2 ونانغا باربات. وهذه المرة، كان هدفها بلوغ برود بيك، أحد الجبال الأربعة عشر التي يزيد ارتفاعها على ثمانية آلاف متر.
وخلال محاولة الصعود، ضرب انهيار ثلجي البعثة في الأجزاء العليا من الجبل، وانقطع الاتصال بالفريق، قبل أن يعلن نادي جبال الألب الباكستاني انتشال جثمانها، لتنتهي رحلة واحدة من أبرز رائدات تسلق الجبال في سلطنة عُمان والعالم العربي، بعدما تركت إرثًا من الإنجازات الرياضية ورسالة ملهمة عن الإصرار وتجاوز الحدود.