
“الشيخة ريميتي”.. عميدة الراي المتمردة
في صباح ال 15 أيار/مايو 2006، توقّف قلب الشيخة ريميتي عن الخفقان. أراد القدر أن تلفظ أنفاسها في بيتها الباريسي. بعد يومين على رحيلها، رثتها جريدة “لوموند” الفرنسيّة وكتبت: رحلت «أم الراي» التي غنّت ورافقت تاريخ الجزائر على امتداد نصف قرن.
نجحت فنانات كثيرات في اكتساح فنّ الراي، أشهرهن الشيخة الريميتي، ويُعرف الراي بأنّه أكثر الأنماط الموسيقية شيوعًا في منطقة الغرب الجزائري، وتعود ظروف نشأته إلى زمن الاستعمار الفرنسي، فيما ينسبه البعض إلى زمن التدخل الإسباني، ولكن من المؤكد أن ولادة هذا النمط الموسيقي كانت حديثة، فيصبح زمن الاستعمار الفرنسي هو الأقرب إلى نشأته، ليتطوّر فيما بعد الاستقلال ويصبح معروفًا إلى درجة العالمية في تسعينات القرن الماضي، على يد الشابّ خالد والشاب مامي بفرنسا.
ويُقال إن تسميته بالراي جاءت من صلب القضايا التي يناقشها هذا الفنّ، والتي تعبّر عن هموم الشعب.
صوت الوجع والحب والحميمية
ولدت الشيخة ريميتي، واسمها عند الولادة سعدية باضيف، في 8 أيار/مايو 1923 في تسالة ولاية سيدي بلعباس بالجزائر، يُرجع أصل ونسبها إلى مدينة غليزان، عاشت طفولة صعبة حيث فقدت والديها في سن مبكرة واضطرت للعمل في مهام شاقة كجمع التين والزيتون وسنابل القمح لتأمين لقمة العيش.
في سن الخامسة عشرة، انضمت إلى فرقة موسيقية بدوية متنقلة، وهناك تعلمت الغناء والرقص وأصبحت تردد الأغاني الشعبية المرتبطة بالبيئة الاجتماعية للمرأة الجزائرية، ليذيع صيتها في كلّ أنحاء الغرب الجزائري في فترة الأربعينات من القرن الماضي، وتصبح مطلوبة للغناء في الملاهي، سميت بالريميتي، وذلك بعد طلبها للنادل أن يجدد طلب المشروبات بالفرنسية:
“Remettez-nous à boire”
انتقلت ريمتي، لاحقًا إلى مدينة غليزان في بيتها المتواجد بشارع بومنجوط حي الڨرابة الشعبي وبدأت تكتب أغانيها الخاصة التي كانت تعكس معاناة الفقراء وتتناول مواضيع مثل الحب، العلاقة بين الرجل والمرأة ، الجسد، الحميمية، الصداقة والنضال من أجل البقاء.
كانت جريئة في طرحها وقدمت صوتًا صادقًا ومعبرًا عن الطبقات الشعبية ما جعلها قريبة من قلوب الناس. في عام 1952 سجلت أول أسطوانة لها باسم “الشيخة الريميتي”.
“إديث بياف الجزائر”
ورغم شعبيتها الجارفة، واجهت الريميتي انتقادات من بعض الأوساط المحافظة بسبب المواضيع التي تطرقت إليها في أغانيها، إلا أنها واصلت مشوارها بثبات، وأصبحت تُلقب بـ”أم الراي” نظرًا لتأثيرها الكبير في تأسيس هذا اللون الفني. كما لقبتها بعض وسائل الإعلام بـ”إديث بياف الجزائر” لتشابه ظروفها ومسيرتها الفنية مع المطربة الفرنسية الشهيرة، فقد قاست الشيخة الريميتي من ويلات اليتم والفقر والأميّة، وتجاوزت كلّ ذلك لتتربع على عرش الراي، وتصبح معشوقة الجماهير طيلة سنوات كما فعلت بياف بالفرنسيين/ات.
“هاك السرّة هاك السرّة”
كانت أغنية “هاك السرّة هاك السرّة” الأغنية التي فتحت أبواب الحظ على مصراعيه في مطلع الخمسينات من القرن الماضي للشيخة الريميتي، رغم أنّها لم تكن الأغنية الأولى لها، ولكنّها فتحت أبواب الشهرة للمرأة البسيطة التي اقتحمت مسامع الجماهير بسرد عوالم النساء الحميمية في مجتمع محافظ.
تميّزت الريميتي بأداء هذا النوع الإيروتيكي من الفنّ، والذي كان حكرًا لسنوات طويلة على الرجال، بينما تُردده النساء في عزلة عن عالم الذكور حتّى لا يخدشن الحياء، ولكنّ الريميتي التي عاشت التشرّد وخبرت الحياة من أبواب مغلقة استطاعت فتح هذه الأبواب المغلقة بإحكام بشجاعتها وجرأتها، فنقلت من خلال تجاربها في الحياة وجه الحياة دون رتوش أو مساحيق تجميل، فكانت أغانيها صادمة إلى درجة منع تداولها في الإذاعات الجزائرية الرسمية.
الريميتي.. صوت الوجع والتمرد
لم يكن صوت الريميتي صوتًا أنثويًا رقيقًا، بل كان صوتها خشنًا، ينمّ عن قسوة الحياة التي عاشتها، غنت عدّة أغان نقلت من خلالها مآسي النساء في حقبة الاستعمار الفرنسي، أشهرها قصة الشابة الجزائرية التي اعتدى عليها الجنود الفرنسيون، لتجهض فيما بعد على الشاطئ جنينها، في أغنية “يا جيش البحرية وكلاني الحوت، البحر حقرني”، كان صوتها الأجش والحزين مجمعاً للجاليات العربية في باريس، التي استقرت بها في فترة السبعينات، وذلك بعد تجاهل الجزائر لها.
تميزت أغاني الشيخة ريميتي بكلماتها المباشرة وصوتها القوي، مع إيقاعات موسيقية غير تقليدية وجريئة، وقد تناولت في نصوصها موضوعات واقعية من المجتمع الجزائري، مثل التحديات اليومية والحب والصداقة وظروف الحياة الصعبة. ويعتبر فن الراي وسيلة للتعبير عن الرأي الشخصي، وقد برعت الريميتي في هذا الأسلوب بشكل فريد بين المغنيات.
استعار العديد من فناني/ات الراي، رجالا ونساء، بعض أغانيها، وظلت الريميتي رائدة في فنها حتى مع تقدمها في السن، مجددًة الطابع الموسيقي الأصلي للراي بطريقة مبتكرة. في التسعينيات، تعاونت مع الفنان البريطاني روبرت فريب ومع عازف الباص في فرقة “رد هوت تشيلي بيبرز”، حيث دمجت في ألبومها الأخير «أنت قدامي» الآلات الموسيقية التقليدية مثل الناي والربابة مع الموسيقى الإلكترونية.
وأشارت الريميتي إلى أن فناني الراي المعاصرين استفادوا من أسلوبها في نشر الموسيقى، لكنها رأت أن موسيقاهم ليست أصيلة، مؤكدة أنها استخدمت أساليب جديدة في الموسيقى لمواكبة التطورات والتفوق على التقليد.
“أنا كحلة وفحلة ونجيب العشاء في نهار المحنة”
الشيخة ريميتي التي عانت شعورًا كبيراً بالغربة، تركت ما لا يقلّ عن مئتي أغنية من عيون الراي… أعاد كثيرون اكتشافها مع انتشار موجة الراي في الثمانينيات على يد جيل جديد من الفنانين الجزائريين. وأهداها رشيد طه أغنية تحمل اسمها. كانت تصرّ على أن تظهر يداها في صور التي تلتقط لها… «أحمل يديّ للدّعاء» كانت تقول. رحلت وهي تردد مقولتها الشهيرة «أنا كحلة وفحلة ونجيب العشاء في نهار المحنة». واتخذتها النساء رمزاً ومثلاً أعلى. كانت تدعو أيضاً بالرحمة على الذين مهدوا الطريق أمامها على غرار فضيلة الدزيرية، ومريم فكاي، وحمادة، والمداني، ودحمان الحراشي وغيرهم..
استمرت الشيخة الريميتي في الغناء حتى سنواتها الأخيرة، حيث قدمت حفلات في أوروبا وخصوصًا في فرنسا، وتُوفيت في الثمانين من العمر، بعد أيام من حفلة شهيرة أقامتها بصحبة الشاب خالد والشاب عبدو والشاب خلاص بباريس، رثتها الصحافة الفرنسية، فيما اكتفت صحافة بلادها بذكر الخبر دون تكريم لمسيرتها الفنيّة.
ومن ألبوماتها الشهيرة منها «سيدي منصور» (1994)، و«نوار» (2000)، و«سلام مغرب» (2001) وأخيراً ألبوم «أنت قدامي» (2005) الذي مثّل قفزة موسيقيّة من خلال إدراج أنماط عزف معاصرة مع تسجيل حضور عازف الڤيتارة البريطاني المعروف روبير فريب.