لم أكن أعرف أن للدم اسمًا

كنت في الحادية عشرة حين اكتشفت أنني أنزف.

لم أكتشف الحيض في حديثٍ مع أمي، ولا في جلسة أخبرتني فيها بما سيحدث لجسدي حين أكبر. اكتشفته في المدرسة، وأنا جالسة بين أترابي.

حين بدأت أحيض للمرة الأولى، ارتعبت.

كنت أغسل ملابسي الداخلية خلسة، كلما تلطخت بالدماء، كأنني أرتكب جريمة شنعاء ينبغي أن يزول آثارها.

لم أكن أعرف ما ستؤول إليه الأمور آنذاك. رأيت الدم، ولم أجد ما يبرر وجوده. كان الخوف أكبر من قدرتي على السؤال، وربما لم أعرف أصلًا من أين أبدأ. كيف يمكن لطفلة أن تصف شيئًا لا تعرف اسمه؟ وكيف يمكنها أن تطلب المساعدة في أمر لم يخبرها أحد أنه قد تواجهه يومًا؟

ظننتُ أنني أنزف حتى الموت.

دم على ملابسي، ولم أكن أعرف من أين جاء!

كنت في الحادية عشرة من عمري، جالسة بين أصدقائي في المدرسة، حين وقفت من طاولة الدرس، فقال لي أحدهم إن سروالي يحمل بقعًا.

لا أتذكر إن كان صوته مرتفعًا، ولا إن كانت العيون قد التفتت نحوي، لكنني أتذكر الرعب الذي اجتاحني. كان هناك دم على ملابسي، ولم أكن أعرف من أين جاء، ولا لماذا. بدأ الكرّ والفرّ. حاولت أن أفهم، أن أجد تفسيرًا، أن أعرف ما الذي أصابني. كنت أبحث عن إجابة بسيطة لسؤالٍ لم أكن أعرف كيف أطرحه أصلًا. كيف تسألين عن مجهول؟ كيف تشرحين خوفكِ من جسدكِ حين لا تملكين الكلمات التي قد تضاهي ألمك؟

ثم بدأت محاولات إخفاء الأمر.

كنت أغسل ملابسي الداخلية خلسة، كلما تلطخت بالدماء. أخفيها وأنتظر أن تزول آثار ما حدث، كأنني أرتكب جريمة شنعاء ينبغي أن يزول آثارها. تخلّصت من كثير من ملابسي الداخلية لأنني لم أعرف كيف أنظّفها، أو كيف أتعامل مع الدم الذي يعود كل مرة. كنت أحاول، بطريقتي الصغيرة، أن أسيطر على شيءٍ لم أفهمه.

لم يخبرني أحد أنني لست مضطرة إلى الشعور بالخجل. لم يقل لي أحد إنّ ما يحدث طبيعي، وإن هناك طرقًا بسيطة للتعامل معه، وإنّه بإمكاني أن أطلب المساعدة دون أن أتوجس أو أختبئ.

أمي، لم تخبرني.

وحتى بعد أن حدث ما حدث، وحتى بعد الخوف الذي عشته، لم تشرح لي الأمر. أوكلت الأمر إلى خالتي، التي أخبرتني بأنني وبكل سهولة العالم: “كبرت الآن”. وحين عرفت ما هي الدورة الشهرية، وما هو الحيض، وكيف يحدث، بدا كل شيء سهلًا إلى حدٍّ موجع. كانت المعلومات بسيطة. لم تكن تحتاج إلى شرحٍ معقّدٍ ولا إلى محادثةٍ مستحيلة ولا إلى معرفة لا تملكها إلا النساء.

كان يكفيني حينها أن تجلس أمي معي، أن تخبرني بما سيحدث، أن تمنحني اسمًا لما سأراه، وأن تقول لي إنني لن أموت.

كان جسدي يتغيّر، وربما كانت التغيّرات الهرمونية قد بدأت تترك أثرها فيّ بطرق لم أكن استوعبها. لا أعرف اليوم كيف كان مزاجي يتبدّل، أو إن كان البكاء قد أخذ مني مأخذه، أو إن كنت قد صرت أكثر حساسية تجاه أشياء لم أكن أبالي بها من قبل. لا أعرف إن كنت قد عشت تلك الأيام مثقلةً بمشاعر لم أجد لها تفسيرًا، لأنني لم أكن أعرف أن جسدي يمرّ بمرحلة جديدة، وأن ما أشعر به قد يكون جزءًا منها.

لماذا اختارت أمي الصمت؟

أتذكر الألم أكثر مما أتذكر قدرتي على وصفه. كان ظهري يكاد ينفطر وكان الغثيان ينهكني لكنني لم أشتكِ ولم أتذمّر. لم أقل إنني أتألم، ولم أطلب تفسيرًا لما يحدث أو ربما لم أعرف كيف أطلبه. كنت أتعامل مع كل ذلك كما لو أنه أمر ينبغي احتماله في صمتٍ مدقع.

أتساءل الآن: كم من مرة كان يمكن أن أتكلم لو كنت أعرف؟ كم من مرة كان يمكن أن أقول إنني متعبة، وإن ظهري يكاد ينفطر، وإنني في حلقة مفرغة من الأسئلة، لو كنت أملك الكلمات التي تشرح لي ما أعيشه؟ ربما لم أكن لأعرف أن كل ما أشعر به مرتبط بالدورة الشهرية، لكن كان يمكنني، على الأقل أن أعرف أنّه من حقي أن أسأل، وأن الألم ليس شيئًا عليّ أن أتحمله وحدي دافعةً ضريبة أنني “كبرت” أخيرًا.

كنت طفلة تحاول أن تتدبّر أمرها، فتعلّمت أن تخفي الدم، وأن تحتمل الألم، وأن تبتلع الأسئلة قبل أن تجد طريقها إلى فمها.

ومنذ ذلك الوقت، ظلّ السؤال يرافقني:

لماذا اختارت أمي الصمت؟ وهل هي من اختارته؟

لا أكتب هذا السؤال لأنني أريد أن أحمّلكِ وحدكِ مسؤولية كل ما لم أعرفه. أعرف أن الصمت حول أجساد الفتيات ليس قرارًا فرديًّا دائما إنه صمت تتوارثه العائلات، وتعيد إنتاجه التربية، وتغذّيه فكرة أن الحديث عن الدورة الشهرية وعن الحيض أمر محرج، أو أن الفتيات سيكتشفن أجسادهن حين يحين الوقت.

لكن الوقت جاء، ولم أكن مستعدة.

جاء في صورة دمٍ أرعب طفولتي البريئة، وملابس ألقي بها في سلة المهملات خلسة، ومحاولات متكررة للتنظيف، وأشياء تخلّصت منها لأنني لم أعرف ماذا أفعل بها. جاء وأنا أبحث وحدي عن الإجابة. ربما ظنّت أمي أنني صغيرة. ربما لم تعرف كيف تبدأ الحديث. ربما انتظرت أن أسألها، ولم يخطر ببالها أنني لا أستطيع السؤال عن شيء هلاميّ لم يتبادر إلى ذهني يومًا.

لعلّ الأعراف الأبوية منعت أمي من الحديث معي، لكن ما تركه صمتها فيّ كان أعمق. طفلةٌ خائفة، تحاول أن تدبّر أمرها وحدها، وتظنّ أن ما يحدث لجسدها سرٌّ يجب إخفاؤه.

لو أنّ أمي لم تُرعَب قبلي، لكانت منحتني فرصة أن أستقبل التغيير دون أن أعيش الرعب بعدها.

لم أكن أدرك حتى ما هي الفوط الصحية، ولا أين توضع، ولا كيف يمكن استخدامها. كنت أراها أحيانًا، لكنني لم أسأل عنها من قبل، ولم يخطر ببالي أنني سأحتاج إليها يومًا، أو أن لها علاقة بما يحدث لي. لم أكن أعرف أن هناك شيئًا صُمّم خصيصًا للتعامل مع هذا الدم، وأن الأمر لا يتطلب سوى أن أعرف كيف أستخدمه.


كنت أظن أن هناك طريقة ما يمكنني بها إيقاف الدم، وأنّه عليّ أن أجدها. ربما كان جرحًا في جلدي، ربما كان نزيفًا يمكن إيقافه إذا عرفت كيف أتعامل معه. لم أكن أعرف من أين يخرج الدم، ولا لماذا يعود، ولا متى سيتوقف. وكلما استمرّ، ازداد خوفي من أن يستمر إلى الأبد. تخيّلت أنني سأظل أنزف، وأنه لا يوجد حلّ لما يحدث لي، وأنني سأبقى عاجزة عن إيقاف.

أردت أن أفهم جسدي بدل أن أهلع..

أفكر بين الفينة والأخرى في سهولة الأمر لو أن أمي استطاعت إخباري. لو أنها تجرّأت على القول بإنني سأواجهه سيلًا من دماء قاتمة، وإنها لن تعني موتي. لم أكن أحتاج إلى محاضرة عن البلوغ، ولا إلى شرحٍ طويل عن جسدي. فقط لو أنها تمكّنت أن تتجاوز القيود لتشرح لي كيف أستعدّ للحيض، وماذا أستخدم، وكيف أعتني بنفسي. لو أنها لم تُرعَب قبلي، لكانت منحتني فرصة أن أستقبل التغيير دون أن أعيش الرعب بعدها.

كم كان يمكن أن يتغيّر في تلك اللحظة لو امتلكتُ معلومة واحدة؟

أكتب الآن لأنني لا أريد أن تكون هذه الحكاية مجرد ذكرى شخصية. أريد أن أسأل عن كل فتاة عرفت الحيض من خلال الخوف، وعن كل طفلة أخفت ملابسها، وعن كل واحدة اعتقدت أن ما يحدث لها عقاب إلهي، لأنها لم تجد شخصًا يخبرها بالحقيقة.

أريد أن أقول إن الحديث عن الدورة الشهرية أو الحيض ليس تفصيلًا مؤجلًا إلى أن تكبر الفتاة، ولا اعترافًا محرجًا  يمكن للعائلة الاستغناء عنه. إنه جزء من المعرفة التي تحتاج إليها كي تفهم جسدها، وتعتني به، وتشعر بالأمان داخله.

وأريد، قبل كل شيء، أن أعود إلى تلك الطفلة التي كنتها. أن أخبرها أن للحيض موعدًا شهريًّا ومُضْنٍ لكن لا مفر منه، وأنها لم تكن مقزّزة، وأنه لم يكن عليها أن تخجل أو تختبئ. أن أقول لها إن ما كانت تحتاج إليه لم يكن أكثر من كلمة مطمئنة، وشخص لا يتركها وحدها في مواجهة دمائها المتدفقة.

ما زلت أفكر في تلك الطفلة التي وقفت من طاولة الدرس متعثرة، ثم اكتشفت أن سروالها يحمل أشياء مبهمة. أفكر في ارتباكها، وفي خوفها، وفي محاولاتها لفهم ما يحدث. وأفكر في الجملة التي لم أستطع قولها آنذاك، لكنني أستطيع قولها الآن:

لم أكن أريد أن أكبر بهذه الطريقة.

أردت أن أكبر وأنا أعرف. أن أفهم جسدي بدل أن أهلع. أن أستقبل التغييرات التي ستطرأ عليّ دون أن أشعر بأنني أواجه وحشًا بمخالب فتاكة.

كتابة: صوفية الصفاقسي

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد