أن أضرب مدير مدرستي بالحجارة…

هذه كانت إحدى مخططاتي بعد التخرج من المرحلة الابتدائية

كانت واحدة من مخططاتي بعد التخرج من المرحلة الابتدائية أن أضرب مدير مدرستي بالحجارة. أتذكر، حتى الآن، كل السيناريوهات التي كنت أرسمها في مخيلتي، والخوف الذي كان يرافقها بمجرد التفكير فيها. لكن صورتي وأنا أمسك الحجارة وأضربه من الخلف، ثم أهرب كي لا يتعرف إليّ، كانت السيناريو الأقرب إلى التنفيذ. نعم، كنت أفكّر بالحجارة سلاحًا لضرب هذا الرجل. ولعلّ الحجارة كانت أول سلاح فتحت عيني عليه، أو عرفته من خلال شاشات التلفاز.

كان ينتمي إلى إحدى الميليشيات المسلّحة؛ سلطة تحميه من أيّة مساءلة أو اعتراض قد يطاله.

في مدرستنا الابتدائية، كان الفصل بين الفتيات والفتيان يبدأ من الصف الرابع. لم يكن هذا نظامًا عامًا مطبّقًا في جميع مدارس بغداد؛ فقد كان الأمر يختلف من مدرسة إلى أخرى. كانت هناك مدارس مختلطة طوال المرحلة الابتدائية، وأخرى، مثل مدرستي، تفصل بين الجنسين بعد سنّ معيّنة. ولعلّ هذا الفصل في تلك المرحلة العمرية تحديدًا كان يرتبط بما يُعرف ببلوغ الفتاة “سنّ التكليف” شرعًا، فتصبح فتاة في التاسعة “بالغة” بقرار لا تملك فيه رأيًا.

بعد سقوط النظام السابق في العراق وتغيّر شكل السلطة عقب عام 2003، تغيّرت أيضًا إدارات المدارس. كان كثير ممن يديرونها/يُدنها ينتمون/ين سابقًا إلى حزب البعث، فجاءت إدارات جديدة من خلفيات مختلفة، وكانت لمدرستنا حصّتها من ذلك التغيير.

ثم صدر الأمر: على كل الطالبات أن يرتدين الحجاب، وتحديدًا حجاب “الأميرة” الأبيض المعروف آنذاك.

جاء مدير جديد إلى مدرستنا. رجلٌ غليظ الصوت والملامح، طويل القامة، تسبقه سمعته قبل أن يدخل الممر. كان ينتمي إلى إحدى الميليشيات المسلّحة التي كانت تسيطر على المشهد في تلك الفترة؛ سلطة تحميه من أيّة مساءلة أو اعتراض قد يطاله. لم أكن أعرف يومها كلمات مثل “السلطة” أو “التمييز” أو “المنظومة الأبوية”. كنت أعرف فقط أن رجلًا واحدًا يستطيع أن يجعل الباحة المدرسية صامتة، وأن يجعل ضحكاتنا تبدو كأنها مخالفة، وأن يجعل وجودنا نفسه شيئًا يحتاج إلى إذن. كراهيته لنا لم تكن شعورًا مضمرًا، بل سياسة معلنة. أوامر إدارية، وملامح تقرف حين يرى الطالبات، وانزعاج من ضحكاتهن وأصواتهن في الباحة المدرسية. كان يستفزّه أن نكون موجودات، حتى إن صدور صوت منّا في حضوره كان يبدو ممنوعًا.

كان أول ما فعله عند تسلّمه الإدارة فصل الكادر التدريسي؛ فجعل المعلمين الذكور مسؤولين عن الطلاب الذكور فقط، في مقابل كادر نسائي كامل للطالبات. ثم صدر الأمر: على كل الطالبات أن يرتدين الحجاب، وتحديدًا حجاب “الأميرة” الأبيض المعروف آنذاك. أتذكر البياض المتشابه الذي بدأ يظهر فوق رؤوسنا في الأيام التالية؛ طفلات الصف الأول، وطالبات الصف السادس، جميعنا بالشكل نفسه، كأن أعمارنا المختلفة لم تكن تعني شيئًا.

بعد فترة قصيرة، أصبح القرار ملزمًا للجميع، ومن تخالفه تتعرّض لعقوبة قاسية؛ الضرب.

أتذكر جيدًا استغرابنا حين صدر ذلك القرار، بل رفضنا له. كان أول قرار يمسّ حياتنا الشخصية بهذا الشكل المباشر. عدت إلى البيت وأنا أنتظر أن يغضب أحد. شرحت لهم القرار، وتحدثت عن رفضي له، لكن البيت ظل هادئًا. لم يتحول غضبي إلى ردّ فعل، ولم يذهب أحد إلى المدرسة ليسأل المدير. فهمت لاحقًا أن صمتهم/ن لم يكن موافقة كاملة، لكنه كان خوفًا اختار أن يبدو مثل الموافقة.

أتذكر زميلتي حنين، الطالبة الشاطرة وذات الملامح الهادئة، التي كانت تأتي يوميًا بتسريحة شعر جديدة تجعلنا جميعًا ننظر إليها بإعجاب. رفضت حنين القرار، ولم تكن وحدها؛ وقف أهلها معها في هذا الرفض. ربما كانت حنين الوحيدة التي وجدت من أهلها موقفًا حقيقيًا، حتى لو كان ذلك الموقف بلا جدوى في النهاية.

كان يحضر إلى الدوام النسائي قليلًا، وينشر ثقافة الخوف والترقّب.

بعد فترة قصيرة، أصبح القرار ملزمًا للجميع، ومن تخالفه تتعرّض لعقوبة قاسية؛ الضرب. والمفارقة أن المدرسة كانت قد أصبحت، بحلول ذلك الوقت، نسائية بالكامل؛ كادرًا وطالبات. فعلى من كان المدير يصرّ على ارتداء الحجاب؟ كان يحضر إلى الدوام النسائي قليلًا، وحين يأتي يمضي معظم الوقت في غرفته، لكنه كان ينشر ثقافة الخوف والترقّب. وكان هذا الشعور يصل إلينا عبر المعلمات اللواتي كنّ يخوّفننا منه بطريقة لا أفهمها حتى الآن.

لم يكن يهمّه أن نقف بجانب باب المدرسة بلا حجاب؛ المهم أن نرتديه بمجرد دخولنا. أتذكر مرة نسيت أن أجلب حجابي، إذ كنت أظن أنه في حقيبتي. لم أكن أرغب في الحجاب آنذاك، ولم أكن أحبّه، لكنني كنت طفلة تخاف من ذلك الرجل ومن الكادر التدريسي بطريقة لا أعرف كيف أفسّرها حتى الآن.

في ذلك اليوم كانت لدينا حصة دين، وكان المدير موجودًا في المدرسة. كنا في الباحة حين علمنا بوجوده، فعمّنا رعب غريب. كان الانتقال من الباحة إلى الصف مرعبًا بحد ذاته، لمجرّد احتمال أن يراني بلا حجاب. مشيت وأنا أراقب الممر كي لا يقع نظره عليّ. لحسن الحظ، لم يرني ولم يأتِ إلى صفّنا.

كنت أظن أن السياسة شيء يحدث بعيدًا، لكن ذلك الرجل كان يحمل السياسة معه إلى المدرسة.

هذا التفصيل بقي في ذاكرتي. أن الحجاب لم يكن مطلوبًا عند باب المدرسة، بل بعده بخطوات. كان يمكنني أن أقف خارجه بشعري المكشوف، ثم أرتديه قبل أن أعبر إلى الداخل. لم يتغير شيء في جسدي خلال تلك الخطوات القليلة، لكن معنى الجسد كان يتغير بمجرد دخولي. هناك، خلف الباب، لم يعد شعري لي وحدي؛ صار جزءًا من نظام يراقبه رجل لا يراه إلا دقائق.

لذلك لم تكن المسألة عندي الحجاب وحده فقط، إنما من يملك حق إصدار الأمر، ومن يُطلب منه أن يطيع. حين تُطرح اليوم نقاشات حول الحجاب وخلعه، وحول من يفرضه ومن يمنعه، أجدني أعود إلى تلك الذكرى. تتغير الجهات التي تصدر الأوامر، لكن شيئًا واحدًا يبقى ثابتًا، أنّ أحدًا آخر يتحدث عن جسدي، فيما أقف أنا في الجهة التي يُطلب منها التنفيذ.

كنت متفرّجة على قرارات تُتخذ حول جسدي، كأنه ملف مفتوح للنقاش أمام الجميع إلا أنا.

لم أكن أعرف أن السياسة يمكن أن تصل إلى هذا الحد، إلى غطاء أبيض فوق رأس طفلة، وإلى كمّ قميص، وإلى صوت ممنوع في الباحة، وإلى خطوة سريعة من باب المدرسة إلى الصف. كنت أظن أن السياسة شيء يحدث بعيدًا، في التلفاز أو في الشوارع، لا شيئًا يقرر كيف نصل إلى مقاعدنا كل صباح. لكن ذلك الرجل كان يحمل السياسة معه إلى المدرسة؛ في صوته، وفي الأوامر التي يصدرها، وفي الطريقة التي جعلنا نراقب أجسادنا قبل أن يراقبها هو. وحين يصمت الأهل، خوفًا أو استسلامًا، فذلك أيضًا موقف، وإن بدا حيادًا أو تخلّيًا.

كبرت وأنا أفهم أن حياتي في تلك السنوات كانت تُدار بقراراتٍ لا علاقة لي بها. من يحكم مدينتي، وأي ميليشيا تسيطر على أي حي، ومن يدير المدرسة وما موقفه من النساء، وأخيرًا ماذا أرتدي وأنا في السادسة أو الثامنة أو الحادية عشرة. كنت متفرّجة على قرارات تُتخذ حول جسدي، كأنه ملف مفتوح للنقاش أمام الجميع إلا أنا.

لم تكن المشكلة في الحجاب فقط، إنما في طريقة تعامله معنا نحن الطالبات الصغيرات عمومًا. أكتب هذا الشعور الآن، ولا أنسبه إلى نضج متأخر أو فهم اكتسبته لاحقًا؛ فقد كنت، وأنا طفلة، أدرك كره هذا المدير لنا. لم يكن يحبنا، وكان يعاملنا بقسوة تتناقض تمامًا مع معاملته للطلاب الذكور. أتذكر مرة رأيته يبتسم ويضحك مع أحد الطلاب. لم أفهم لماذا بدا المشهد غريبًا إلى هذا الحد، حتى أدركت أنني لم أرَ ابتسامته لنا من قبل. كان الأولاد يستطيعون أن يشغلوا المكان بأصواتهم، أما نحن فكنا نتعلم كيف نصغّر حضورنا كي لا نثير غضبه.

كان يأتي بلا سابق إنذار، فلا المعلمات يعرفن موعد وصوله، وكان الخوف مشتركًا بين الطالبات والمعلمات على حدّ سواء. أحيانًا كان يأتي وقت الاصطفاف الصباحي؛ فتُعاقب من تتأخر قليلًا بالوقوف جانبًا، ثم بالضرب على كفّها، أو بقرص أذنها إن كانت المخالفة، في نظره، أخف. كانت كراهيته للبنات واضحة، كأنه يريد الانتقام منّا لمجرّد كوننا بنات.

تخرجت من تلك المدرسة، ولم يهدأ حلم ضربه عندي فترة طويلة. في طريقي إلى مدرستي الثانوية، كنت أمرّ قرب مدرستي السابقة، ولمحته أكثر من مرة، لكنني لم أجرؤ على الاقتراب، ناهيك عن ضربه. بقيت الحجارة في مخيلتي، لا بوصفها خطة فعلية، بل بوصفها اللغة الوحيدة التي كانت طفلة خائفة تعرفها لتتخيّل استعادة شيء من قوتها.

بعد أكثر من اثنين وعشرين عامًا، رأيت منشورًا عنه على فيسبوك. لا أتذكر بالضبط إن كان الخبر عن مرضه، أم مجرد صورة قديمة أُعيد تداولها للتذكير به. لكن ما كُتب في المنشور كان أشبه بربتة على قلبي. كتب/ات معظم المعلّقين/ات عن ذكرياتهم/ن معه، وعن الطريقة القاسية التي عاملهم/ن بها بلا رحمة. تحدثوا/ن عن تفاصيل تلك الرحلة الشاقة، كلّ بطريقته، وكأننا جميعًا كنّا نحمل الحجارة نفسها في مخيلاتنا، كلٌّ بمفرده، طوال هذه السنوات.

كتابة: فرقان نصيف

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد