جزر قرقنة.. النساء بين شح البحر وكلل الأرض وعنف الرجال

قرقنة هي أرخبيل يقع شرق البلاد التونسية عند سواحل مدينة صفاقس أين يورث البحر ويباع بعقود ملكية. عبر التاريخ، جمع هذا الأرخبيل ثوار/ثائرات العالم، ولم يكن بحره حكرًا على الرجال. إذ كانت النساء، وما تزال، يمارسن مهنة الصيد قبل أن يصبح البحر بخيلًا كليلًا جرّاء التغيرات المناخية

قرقنة.. تاريخ موجز

“هذا البحر لي”، ليست كلمات مجازية للشاعر الفلسطيني محمود درويش، بل كلمات اعتيادية عند أهالي جزيرة قرقنة.


يمتاز المجتمع الجزري القرقني بخليط عرقي وجيني لشعوب البحر الأبيض المتوسط. أرضٌ ثائرة منذ الأزل، استقبلت شعوبًا متمردة على أنظمة الحكم، وكانت منفى لرموز التمرد من مختلف الحضارات والأديان. نحت ذلك خصوصية اجتماعية وثقافية عنيدة متعايشة مع تقلبات البحر وأهوائه، ومتأقلمة مع أرضٍ شحيحة في الإنتاج الفلاحي.

يحمل أهالي قرقنة صفة الصياد/ة والبحار/ة قبل ممارستها كمهنة. جعل الانتماء إلى هذه الجزيرة والتعود على تغيراتها المناخية النساء يمتهن الفلاحة والصيد البحري على حد سواء. إذ تتغير مهنهن موسميًا، ينتقلن من البحر إلى الأرض وإلى تجفيف كل ما أتت به الطبيعة.

لكن مع التغيرات المناخية العالمية الأخيرة وارتفاع منسوب المياه وملوحة التربة، أصبحت النساء مهددات أكثر من أي وقت مضى. تهديدٌ بخسارة موارد رزقهن المتنوعة، وبالهجرة الداخلية أو النزوح نحو مدن أخرى تحتضن كفاحهن من أجل العيش الكريم.

النساء البحارة في قرقنة.. من الصيد إلى الفلاحة

“كان البحر مورد رزقنا الوحيد بعد التقاعد. اخترنا أن نعود إلى مهن أجدادنا، بعيدًا عن صخب المدينة. كنا نعود بالكثير من الخيرات، ولم يكن لنا مأوى غير البحر، لكنه كلَّ منّا وأصبح الصيد في بحرنا موسميًا. هذا ما جعلنا لا نعوّل عليه كثيرًا، وأصبحنا نصطاد لاستهلاكنا الشخصي فقط”.

بهذه الكلمات نفضت حياة الصامت -البالغة من العمر 68 سنة ومعلمة التعليم الابتدائي المتقاعدة- شباكها الخالية، عندما رافقناها إلى داخل البحر. لم تجد حياة في “الغزل” (شباك البحر) سوى سمكة حبار واحدة. لم تكن تنتظر صيدًا وفيرًا، حسب قولها.

تعودت حياة الصامت على الصيد القليل في هذه الفترة من العام وعلى قلة السمك في السنوات الأخيرة جراء التغيرات المناخية. كما كان لزحف سلاحف البحر وجحافل السلطعون (داعش وفق تسمية الأهالي) التي تمزق الشباك، دورًا في حصادها القليل.

تعود المشاكل المناخية في جزيرة قرقنة إلى عقود من الزمن، إذ كان هذا الأرخبيل تاريخيًا ضحية للتغيرات المناخية. وذلك وفق ما صرح به المهندس البيئي المتخصص في الشأن المناخي حمدي حشاد. 


منذ 2700 عام، كان المؤرخ الإغريقي هيرودوت قد حدد مساحة جزيرة قرقنة حسب الأبعاد الإغريقية بـ450 كلم مربع. في حين أن مساحة جزيرة قرقنة الآن تبلغ 157 كلم مربع فقط، ما يدل على اختفاء ثلثا الأرخبيل. 

ومع قدوم عصر الـAnthropocène، أي الحقبة المناخية التي يتسبب الإنسان في تغيراتها. ونتيجة للتلوثات التي يطلقها، زادت انبعاثات الاحتباس الحراري مليارات الأطنان من الفحم والبترول والغاز، وهذه الغازات نفسها قادرة على امتصاص الأشعة فوق الحمراء.

يؤدي هذا إلى ارتفاع درجات الحرارة تدريجيًا، ونشوء ظاهرة الاحترار المناخي التي بلغت درجاته 1.77، حسب تقرير الأمم المتحدة لفيفري 2024. وبحلول سنة 2100، ستساهم هذه التغيرات في خسارة 2000 هكتار من جزر قرقنة -ما يُعادل الثلثين. كما ستساهم ارتفاع الملوحة في ظاهرة التسبخ والإضرار بالأراضي الفلاحية، وفق محدثنا.

النساء.. ذاكرة جزيرة قرقنة

هذه القراءات التاريخية للتأثيرات المناخية جعلت من المجتمع القرقني، وعلى رأسه النساء، يكتسب العديد من المعارف والتقنيات التراثية. وهذه المعارف ناتجة عن التجارب والظروف الصعبة التي مر بها الأرخبيل القرقني في أوقات سابقة.

من هذه الخبرات مثلًا تقنيات “الماجل”، وهي لتخزين مياه الأمطار والبناء بالنخيل. كذلك هي تقنيات حفظ الأرض وحمايتها من التملّح وحفظ المواد الغذائية لفترات طويلة والملاحة البحرية في ظروف صعبة. لذا، تعي النساء جيدًا المخاطر التي تهدد البحر والأرض على حد السواء.

“لقد امتلأ البحر بـ”الدراين” البلاستيكية، بيوت صغيرة توضع داخل البحر من أجل اصطياد أخطبوط البحر. حيث تجمع كل الأخطبوط البحري ويأخذها أصحاب المراكب الكبرى، أما نحن، أصحاب المراكب الصغرى، فلا يمكننا الدخول إلى أعماق البحر. وبالتالي، لا يمكننا وضع بيوت لاصطياد الأخطبوط”. تضيف سعيدة الصامت.

لا تؤثر “الدراين” على المردود البحري للمراكب الصغرى فحسب، فقد ساهمت هذه البيوت البلاستيكية في تلوث البحر. وهي عادة دخيلة على الثقافة البحرية لأهالي قرقنة، حيث كانت هذه البيوت في ما مضى تسبك من الحلفاء. والحلفاء هي نبتة تنبت في المستنقعات وعلى البحيرات، يتم نقعها في مياه البحر وتجفيفها. وبذلك، تتمكن النساء من سبكها وصنع الأدوات البحرية بخيوطها، وتجفيف الكروم عليها، باعتبار أنها صديقة للبيئة.

حليمة السويسي، بحارة وفلاحة خمسينية، تفسر طريقة سبك الحلفاء والتي كان البحر نقيًا من التلوث بفضلها في السابق. هي بحارة تمارس الصيد على الأقدام، والمتمثل خاصة في جمع المحار “تلقيط الببوش”، الذي منعته السلطات، حسب قولها، دون معرفة الأسباب.

عنف قائم على النوع الاجتماعي ضد النساء البحارة في قرقنة

“قالوا لنا سنعلمكم بأسباب منع صيد المحار بعد إجراء تحاليل بيولوجية للبحر، منذ 15 عام، ولم يعلمونا إلى اليوم. كنا 380 امرأة نقتات من الصيد على الأقدام، نمشي يوميًا عشرة الكيلومترات ذهابًا وإيابًا، لنوفر لقمة عيش أبنائنا وبناتنا.”

تعتبر آثار التلوث على المحار مضرة بالنظم البيئية والبشرية، حسب بعض الدراسات القليلة التي أجريت على خليج قابس. كما أن التلوث الناجم عن النشاط البشري ساهم في انخفاض المحار.


ورغم أن الدراسات على جزيرة قرقنة تكاد تكون منعدمة، إلا أنها تشارك الخليج بعض المخاطر الصحية والبيئية. يكمن الإشكال الحقيقي في عدم مشاركة نتائج المخابر المختصة في البكتريولوجيا والمعاهد البيطرية ولأسباب منعه مع النساء. وهو ما يضعهن في حالة تهميش ونكران، يتفاقم كلما تفاقمت أزماتهن الاقتصادية.

تعاني النساء اللواتي يصطدن على الأقدام من عنفين. الأول، عنف تجاهل السلطات لهن وحرمانهن من الحق في المعلومة الدقيقة التي طالبن بها لسنوات عديدة حول أسباب منع اصطياد المحار. أما العنف الثاني، فهو عنف “القشارة” (الوسطاء)، الذين يحاصرونهن في السوق ويعنفونهن لفظيًا. يحدث ذلك بهدف منعهن من البيع، أو حتى لا يبعن محاصيلهن مباشرة دون المرور بهم واقتسام المداخيل معهم. 

هذا العنف القائم على النوع الاجتماعي تعود أسبابه إلى التمييز وتثبيت الفروق الجندرية. وتتعرض له بكثرة النساء اللواتي يمارسن مهنة الصيد على الأقدام ،باعتبار أنها مهنة نسائية. ذلك أن نسبة الرجال الذين يمارسون هذا النوع من الصيد ضئيلة، مقارنة بالنساء.

لا يتجاوز دخل هؤلاء النساء واحد أورو للكيلوغرام الواحد، ورغم ذلك فإن بعض النافذين في الأسواق يريدون شراء محاصيل النساء بسعر أقل. وذلك لبيعها أو تصديرها للمطاعم الكبرى بأسعار تتجاوز الثلاثة أضعاف.

الأسماك الكبيرة للزوج والصغيرة للزوجة 

لا يقف العنف الذي تواجهه النساء مع “القشارة” عند المنافسين الخارجيين، بل هناك عنف أسري تواجهنه عندما يكون الصيد مشتركًا.

محبوبة، اسم مستعار، تمارس مهنة الصيد رفقة زوجها منذ أكثر من 20 عام. بكل فخر، تتحدث محبوبة عن انتمائها للبحر، عن الليالي التي تقضيها داخله وعن الشباك المليئة بالسمك. لكن شح البحر جعلها تمارس نشاط تجفيف العنب والكروم كمهنة بديلة للصيد.

تروي محبوبة قصتها المشحونة بالألم مع الاستغلال الاقتصادي، الذي كان يمارسه زوجها عليها عند الخروج إلى الصيد المشترك. “في عز الصيف، كنت أجلس تحت أشعة الشمس الحارة أجمع نصيبي من الأسماك الصغيرة. وذلك بعد أن يأخذ زوجي الأسماك الكبيرة، الأعلى سعرًا، ويبيعها في السوق.

لم تكن مشكلتي في السعر القليل ولا الحر، بقدر ما كان البقاء وقتًا أطول، لفرز عيون الشباك وإعاقتي عن المرور إلى عمل آخر. لم أكن أجرؤ على مواجهة زوجي بهذا التمييز، كنت أخاف أن يضربني وأن يشتمني، متحججًا بأنني لم أنجب ولدًا. ماذا أقول؟ البحر كاتم قصصنا وأسرارنا التي لا يمكننا البوح بها”.

هذا العنف الاقتصادي الذي تواجهه بعض نساء الجزيرة، سواء من قبل “القشارة” أو الأزواج، دفع ببعض الجمعيات للقيام بحملات توعوية لمواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي. كما شملت الحملات إعادة تثمين الحلول البديلة، التي كان يعتمدها أهالي الجزيرة من أجل التأقلم ومواجهة التغيرات المناخية. من هذه الجمعيات، جمعية “تواصل الأجيال” التي كونت المجمع النسائي الفلاحي للصيد البحري.

رغم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية التي تمر بها النساء، إلا أنهن كن قادرات على تجاوزها وإثبات أنفسهن، حسب رئيسة جمعية “تواصل الأجيال” سناء كسكاس. إذ كن في حاجة إلى دفعة للأمام وإلى بعض الدورات التدريبية في مواجهة العنف ومجابهة التحديات، حسب قولها.

التغطية الاجتماعية.. عندما تغيب المعلومة وتهمش القطاعات الحيوية 

لا يمكن تعريف الاستغلال الاقتصادي دون الوقوف عند التقسيم غير العادل للأدوار والثروات والموارد والمعلومات. فغياب المعلومة المتعلقة بالتغطية الاجتماعية والتأمين الصحي هو وجه من أوجه الاستغلال. حيث يتم حرمان النساء البحارة، سواء كن صاحبات مراكب أو لا، من الانخراط في المنظومة الصحية والاجتماعية.

أغلب النساء اللواتي قمنا بمحاورتهن لا تشملهن التغطية الاجتماعية. منهن من انخرطت في صندوق الضمان الاجتماعي رفقة زوجها، ومنهن من ترفض الانخراط داخل هذه المنظومة البيروقراطية. إذ تعتقد أن ذلك سيكلفها مبلغًا ماليًا ضخمًا لا يتلائم مع مداخيلها الموسمية.

جدير بالذكر أنه لا توجد نساء مستقلات متمتعات بالتغطية الاجتماعية بمفردهن. وهذا يعود إلى غياب المعلومة الدقيقة من السلطات المعنية، وإلى انعزال الجزيرة وتهميشها عن المناطق الإدارية.

ترجع سناء كسكاس رئيسة جمعية تواصل الأجيال هذا الرفض في الانخراط إلى عدم تفكير النساء الصيادات والريسات (قائدات المراكب) في التقاعد. فهن لا يطرحن على أنفسهن الانقطاع عن العمل يومًا ما، يردن البقاء بحارات أو فلاحات حتى آخر يوم في حياتهن.

ثقافة العمل المستمر هي ثقافة سائدة في المجتمعات الجزرية عامةً، وفي المجتمع القرقني خاصةً. ذلك أن النساء تعتبر أن الانقطاع عن العمل هو بمثابة عجز أو انهزام للواقع الاقتصادي. يمكن لهن تغيير نشاطاتهن، تأقلمًا مع أوضاعهن الصحية، لكن لا يمكنهن البقاء دون عمل أو نشاط اقتصادي.

في الختام، يمكن القول إن تهديد التغيرات المناخية لأوضاعهن التي يمكن أن تزداد سوءًا حالما تصبح الجزيرة غير قابلة للسكن، ستغير ثقافاتهن تجاه العمل. كما أنها ستزيد من حاجاتهن إلى التأمين الصحي، خصوصً إن هاجرن داخليًا أو نزحن إلى أماكن أخرى للعيش. 

كتابة: يسرى بلالي

 

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد