العار والخوف.. أهم أدوات النظام الأبوي لقمع النساء

عندما نفكر في الخوف كنساء، تتبادر إلى أذهاننا كل القواعد والمُحرمات والسلطة الذكورية المحيطة بنا، سواءٌ أتت بشكلٍ واعٍ حول أصله وسببه، أم لا. يحيطنا الخوف بشعورٍ أعمق وأكثر تدميرًا، وهو العار. إذ يتغذى العار على كل المشاعر التي ينتجها الخوف: عدم الأمان، وضعف الثقة، والشعور بالتهديد، ونقص الأهلية.

يرافق الخوف والعار تجربة كل امرأة مهما كانت خلفيتها وسياقها. وتزداد حدة هذا الشعور كلما كانت قبضة الذكورية أقوى، وكلما كانت هذه الذكورية تقوم على ثلاثية: الشرف، الرجولة، قيم المجتمع. فإلى أي مدى يمكننا ربط هذه التجارب والمشاعر باستمرارية سيطرة النظام الأبوي على حيواتنا؟

في الخوف كتجربة

تتشكل تجربة الخوف في أذهاننا منذ سنٍ مبكرة. حين نبدأ بربط الفعل مع رد الفعل، نتعلم دون إرادتنا أن كل ما نريده مُحرمًا، وأن التجرؤ على طلبه سيعرضنا للعقاب. وقتها نبدأ في استشعار الخوف. شعورٌ يرتبط بألمٍ جسدي لا تتخطاه الواحدة منا، مقص في البطن، رعشة في العظام، تسارع نبضات القلب، دموع حارة، أبصار شاخصة، ضيق في التنفس، والكثير من الرهبة والقلق والرعب النفسي.

قد تختلف تجاربنا، لكن نادرًا ما يختلف أصلها. نتشارك الخوف من كسر حظر التجوال المفروض على النساء ليلًا. ونفهم الخوف من زيارة الصديقة التي تم حرماننا من رفقتها، لأنها وصمت بالـ”سيئة”. ونُدرك أننا نخاف النظر إلى أجسادنا العارية أو تحسسها، وأننا نخاف أن يرانا أحدٌ مع الحبيب/ة. نخاف أن نختار مستقبلنا. وكما نخاف العمل، نخاف البقاء دونه.

ترعبنا رقصة خرجت عن حدود المسموح، ونتوارى عن الأنظار لو خرجت منّا ضحكة عالية. نخاف أن يتم تفتيش هاتفنا فجأةً من شخصٍ له/لها سلطة علينا. ولا نعرف مما بالضبط علينا أن نخاف: نخاف الزواج وملاقاة نفس مصائر النساء حولنا؟ أم نخاف أن “يفوتنا قطار الزواج” ووصم “العنوسة”؟ ننجب أم لا ننجب؟

نخاف خسارة “وهم البكارة”، أو اكتشاف الحميمية خارج السلطة الأبوية والمعايير الغيرية. نحن – باختصار مؤلم – نخاف الحياة.

تطرح هذه الخطابات فرضية أنه بإمكاننا تدمير الأبوية، حالما نتوقف عن الشعور بالعار. يا للسهولة!

نحيا بالعار، كي لا نمتلك القوة

يجعل النظام الأبوي الإحساس بالعار شعورًا لصيقًا بكل النساء، تولد الواحدة منّا لتجد أمامها قواعد جامدة لا تقبل التفاوض عليها. كما تجد حزمة كبيرة من العار. حيث يبدأ الجميع في التحضير لها كهمٍ ومسؤولية ويجب ألا يخفقوا فيها، لكي لا تجلب العار، قبل حتى ولادتها.

يصبح مفهوم العار مطاطيًا في أذهاننا كنساء وفتيات. وبينما لا نعرف حقًا ماهيته، نشعر أنه مرتبط بوجودنا، وبكل ما نفعله قبل أن يملى علينا.

وبمرور الأيام، يتضح العار عندما نكبر قليلًا. حين ندرك _بأسى_ أن أجسادنا عار.. ووجودنا عار. كل حركة نقوم بها عار، وكل مكان نتواجد فيه يمكن أن نتسبب في إلحاق العار به. نبدأ التصرف بحذرٍ، كي لا نجلب العار لعوائلنا.

تدريجيًا، نكتشف أن العار يمكن أن يكون في خروجنا من المنزل دون إذنٍ، أو ذهابنا إلى مدرسة في مجتمعٍ متطرفٍ ذكوري يعتبر تعليم النساء إثمًا عظيمًا. العار هو ارتداء ملابس بمقاسات معينة، أو اظهار جزء من شعرنا في مجتمع يفرض الحجاب القسري، أن نواعد أشخاصًا، أو أن نحظى بمساحةٍ من الخصوصية.

بالنسبة إلى النظام الأبوي، تجلب النساء العار عندما يخترن لونًا أو رداءً أو مسار حياة. ويكون العار محيطًا بهن كالجاثوم. يمنع عنهن الهواء ويُذكّرهن بالأغلال الأبوية التي يُكلف كسرها الحياة نفسها، أو يترك جروحًا يصعُب شفاؤها.

عندما يشق العار طريقه إلى عقولنا، يكبح عنّا امتلاك القوة التي يُمكنها تحدي النظام الأبوي وقيمه القاتلة.

ماذا يعني الخوف والعار للنظام الأبوي؟

يعتبر الخوف والعار من أهم أدوات الأبوية في تدجين النساء والسيطرة عليهن، وضمان خضوعهنّ للسلطة الذكورية وتطبيعهنّ معها. عندما تخاف النساء ويشعرن بالعار من أنفسهن وأجسادهن ووجودهن، ويشعرن أن أبسط السلوكيات يمكنها تدمير العائلة والمجتمع، وتدميرهن بشكلٍ شخصي، يبدأن في التصرف بحذر.

لم يمنع ذلك معظم النساء من كسر أبسط القواعد الأبوية. ولكن أمام كل قاعدة يتم كسرها، أثمانٌ يجب دفعها.

محاصرة النساء بالخوف والعار كانت، وما تزال، من أنجح وصفات الأبوية في السيطرة عليهن.

تسرق كثيرات منهن لحظات من الحياة خارج القيد الأبوي، كأن يخرجن وهنّ على يقين أن العنف بانتظارهن. أو يغامرن بلقاءٍ عاطفي يمكن أن ينتهي بجريمة قتل تحت ذريعة ما يسمى بـ”الشرف”. يُظهرن قليلًا من خصلات شعرهن في مكانٍ عامٍ، ويعلمن يقينًا أن لكل مَن يراهن سلطة تأمرهن بـ”الستر” والحجاب. إلا أن ثمن كل هذه اللحظات قاتلٌ. إن لم يكن في العنف بكل أشكاله، فبالعار والخوف والألم والشعور بعدم الاستحقاق.

تضطر كثيرات إلى التعايش مع شعور أنهن مخطئات بسبب التصرف خارج معايير الأبوية. يحاصرهن العار، ويلازمهن الشعور بعدم “الطهر” أو أن عليهن التوبة يومًا ما. يتألمن بسبب الوصم والتعهير، ويدفعن ضريبة كبرى قد تودي بحيواتهن.

محاصرة النساء بالخوف والعار كانت، وما تزال، من أنجح وصفات الأبوية في السيطرة عليهن. فهذا النظام القمعي لا يفرض الخضوع بالعنف المباشر فقط، بل بزراعة الخوف والعار داخل النساء. لتعيش كل واحدة منهن رهاب الثقة في نفسها، ورهاب العيش خارج سلطته.

يعني الخوف والعار للنظام الأبوي أفضل أسلحته على الإطلاق. فرغم كل السلطة التي يحتكرها، وسيادته في النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني والثقافي، وحتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية، فإن قوته الأكبر تكمُن في ثقافة الخوف والعار.

تلك الثقافة التي تتسبب في شعور النساء أن حيواتهن في خطرٍ دائمٍ. يتمثل هذا الخطر ماديًا في القتل والعنف والحرمان من أي شيء فور تصرفهن خارج المعايير الأبوية، ونفسيًا في خسارة العائلة والمجتمعات بالنبذ والوحدة.

هناك خوفٌ من الوصم والعار والعزل الاجتماعي.. خوفٌ مما سينتج عن هذا العار، من العقاب.

هل يمكن أن نكسر الخوف ونتحرر من الوصم؟

إن شعور النساء بالخوف والعار من أجسادهن ووجودهن ليس حديثًا، إذ تتناقله الأجيال وتحكي عنه منذ قرون. تجارب وبيانات سياسية، وتحليلات نفسية وتاريخية شهدت نموًّا منذ ظهور النسوية كتيارٍ سياسي وفكري.

لكن السلطة الأبوية على المجالات والمساحات العامة والقمع المستمر للأصوات النسوية وشيطنتها، حال دون العمل بشكلٍ كبير على هذا الميدان. إذ أعاق محاولة علاجه وتوحيد صفوف النساء ومشاركة تجاربهن، لكي يتعلمن أنه شعورٌ تم تطبيعه وفرضه.

هذا القمع الأبوي وسيادة القيم الاستهلاكية الرأسمالية، يتغذيان على مخاوف النساء وآلامهن، وبالأخص بعد ظهور منصات التواصل الاجتماعي. حيث يتم صبغ الخطابات التي تحمّل النساء مسؤولية التخلص من شعور العار والخوف على منصات التواصل بصبغة “نسوية”، بذريعة الدعم و”التدريبات الحياتية”.

إلا أن هذه الخطابات تعتبر امتداد للخطابات الأبوية، التي تعتمد في جوهرها على ثقافة “لوم الضحية”، وتحميل النساء مسؤولية العنف الذي يتعرضن له.

هناك خوفٌ من الوصم والعار والعزل الاجتماعي.. خوفٌ مما سينتج عن هذا العار، من العقاب.

فنسمع خطابات مثل “تخلصي من الخوف”، “انزعي عنك العار”، “افعلي كذا وتوقفي عن كذا”، والتي تعكس النمطية الأبوية، بنمطية حالمة ورومانسية. حيث يغرق مَن يروجون/يروجن إليها في الامتيازات، التي تصوّرنا كمُتسبباتٍ في آلامنا وقمعنا. تطرح هذه الخطابات فرضية أنه بإمكاننا تدمير الأبوية، حالما نتوقف عن الشعور بالعار. يا للسهولة!

هذا الخطاب ساهم في مراكمة الشعور بالخوف والعار لدى نساء كثيرات. فمَن تستطيع التعايش مع شعور أنها تمتلك الحل لتغيير حياتها والسيطرة عليها، لكنها كسولة ولا تحب نفسها؟

لذلك، وحدها النسوية التقاطعية، التي تهدف إلى صياغة خطابات سياسية وتاريخية، تفهم النظام الأبوي والأنظمة القمعية وتحاول إسقاطها. هي الوحيدة التي تمكننا من بناء مستقبل نسوي وتشارك التجارب والألم بشكلٍ جماعي. ومن خلالها، نتمكن من إزالة الرواسب الخفية، التي يقوم عليها النظام الأبوي، مثل العار والخوف.

 

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد